تفكيك الإنسان -الجزء الأول

216

أضحت الفلسفلة المادية قِبلة النَّاس اليوم -إن صحَّ التعبير- بسبب ما حقَّقته -في الظاهر- من ثِمار ماديَّة، وتقدُّم علمي وحضاري، دفَع بالكثير من المُفكِّرين -مِمَّن ينتسب إلى هذه الأمَّة- إلى الدَّعوة لتبنِّي أمثال هذه الاتِّجاهات، وجَعْلها أساسًا فكريًّا وعقائديًّا ومنهجيًّا تقوم عليه الحضارة الإنسانيَّة اليوم.
فما علاقة الإنسان بالمادَّة؟ وهل الإنسان كائنٌ مادِّي وحَسْب؟ وهل استطاعَت الفلسفة الماديَّة إخراجَ الإنسان من أزماته؟

توطئة: سنستعرض في هذا المقال أهم الأسس التي تقوم عليها الفلسفة المادية، وسنكتفي -فقط- بعرض هذه الأسس مع الخلوص لنتيجة “بسيطة” في آخر المقال، على أن نتناول في مقالات قادمة -بشيء من التفصيل- تمظهرات هذه الفلسفة في حيواتنا اليومية، لنخلص في آخر مقال إلى كيفية المحافظة على “الإنسان- الإنسان” الذي بداخلنا -حسب تعبير المسيري رحمه الله-.

تفكيك الإنسان (الجزء الأول).
قامت المادية على أنقاض الفلسفة المثالية عقب موت الفيلسوف الألماني هيجل عام ١٨٣٠ وكانت كرد فعل على غلو المثالية الحديثة في البحث عن المجردات والكليات باعتبار وجودها في الداخل والخارج. أما الفلسفة المادية في العصر الحديث فقد جاءت كرد فعل عقب قيام الثورة الفلسفية الحديثة في أوربا.
والفلسفة الحديثة في العموم يمثلها ثلاث اتجاهات أساسية توضح ماهية هذه الفلسفة: الاتجاه العقلي(رنيه ديكارت)،الاتجاه التجريبي (فرنسيس بيكون)، الاتجاه النقدي (كانط). وبناء على هذه الاتجاهات الرئيسية تفرعت مذاهب كثيرة تحت هذه الأصول الثلاثة لتلك الفلسفات، مثل المذهب الوجودي والعدمي وأصحاب الوضعية المنطقية.
وتعتبر الفلسفة الحديثة -في العموم- هي من وضعت أسس التفكير الحديث الذي يقوم على المادية والرأسمالية وجميع النظم التي تحكم الإنسانية اليوم.

تنطلق الفلسفة الماديَّة في تفسير ظاهرة الإنسان -حسب رؤيتها- من حقيقةٍ أساسيَّة، ماهيتُها أسبقيَّة الطَّبيعة على الإنسان؛ ولذلك تُحاول التركيز على جانبِه المادِّي؛ فالإنسان موجودٌ مادِّي متجِّسد، يُشارك غيرَه مِن المخلوقات في بعض الصِّفات، يَخْضع للقوانين الطبيعيَّة وضرورات الحياة العضويَّة؛ باعتباره داخلاً في منظومةٍ من الآلِيَّات والحتميَّات تَسْري على كلِّ مادِّي؛ كالحاجة إلى الطَّعام والشراب، والنَّوم والتناسل، وغيرها، ولذلك -حتَّى يَسْهل رَصْدُه- لا بدَّ من الاعتماد على النَّماذج المستمَدَّة من العلوم الطبيعيَّة، وعلى هذا الأساس تَطْرَح الفلسفة المادية مفهومَ الإنسانية الواحدةِ الكامنة في الطبيعة؛ حيث ترى أنَّ الإنسان جزءٌ لا يتجزَّأ من الطبيعة، خاضعٌ لقوانينها، كامنٌ فيها، ليست عنده القدرةُ على تجاوُزِها، وهذا يقتضي بالضَّرورة أنَّ كل مشكلة تواجِه الإنسان يمكن تجاوزها بالاستِناد على الواقع المادِّي، دون الرُّجوع إلى نماذج مُتجاوِزة لهذا الواقع؛ مِمَّا يَعني أنَّ الإنسان يُنظَر إليه في هذا الإطار على أنَّه مُساوٍ لغيره من المخلوقات مِمَّن يُشاركه وجودَه المادِّي، وهذا يثير بدوره إشكاليَّة التَّسوية، وهي من المفاهيم المتولّدة من المرجعيَّة المادية، وتَعني التَّساوِي بين كلِّ المخلوقات؛ البشَر وغيرهم، مِمَّا يَعني الاقترابَ من حالة الطبيعة، والهجوم الشَّرس على الحالة الإنسانيَّة، ويصبح عندئذٍ مقصده وهدفه التطوُّر المادي؛ حتَّى يصبح مادَّة مَحْضة تَخْضع لقوانين الطَّبيعة لا يَستطيع تجاوُزَها، وفي هذا السِّياق يَبْرز مَفْهوم التَّفكيك الذي تُؤصِّل له الفلسفة الماديَّة، ذلكم المفهوم المُتجاوز للحقيقة البشريَّة الجامعة بين الرُّوح والمادَّة؛ بِما يَجعله كائنًا متميِّزًا؛ لكونه يُمارس نشاطاتٍ تَتجاوز الإطارَ الماديَّ، بل عليه كما هو الحال بالنِّسبة للقِيَم الدينيَّة والخُلقيَّة وغيرها.

الفلسفة الماديَّة، ومِن أجل تَسْويق أفكارها في مذهبها الفلسفيِّ الَّذي لا يَقْبل سوى المادَّة؛ باعتبارها الشَّرطَ الوحيد للحياة الطبيعيَّة والبشرية، وكنتيجةٍ للصِّراع بين الكنيسة والعلم، رفضَتْ فكرة الإله كشرطٍ مِن شروط الحياة، ورفضَت الإنسان نَفْسه إذا كان يعتقد المُجاوزة للنِّظام المادي، فجعلَتْ كلَّ شيء في العالَم يُرَدُّ إلى مبدأ واحد فقط، هو القوَّة الدافعة لكلِّ المخلوقات؛ لكونِها دائرةً في إطار التَّسوية الخلقيَّة، فيَسْتوي الإنسان بِغَيره من الكائنات، وتكون المادة هي الحاكمة للإنسان وطبيعته، وهنا تَبْرز إشكاليَّة القيمة في هذا الإطار الفلسفيِّ الذي تَدُور معه هذه الفلسفة، فلا وجود للإله؛ لأنَّه يتَجاوز المادَّة، وليس مَحْسوسًا، فالمَحْسوس هو الموجود، وما سواه فلا وُجودَ له، وجعَلوا المادَّة تسبق كلَّ شيء، فهِيَ تَسْبق العقل والأخلاق والتَّاريخ، وحتَّى لو التمَسْنا أخلاقًا في ظلِّ هذا النظام المادِّي، فإنَّما نقف على أخلاق تُفسَّر تفسيرًا ماديًّا، ووفقًا للقانون الطبيعي.

إنَّ غياب الرؤية المطلقة في الثقافة الغربيَّة جعلَ القيم مَرْتعًا لأُطْروحات لَمْ تستطع الوقوفَ على أساسٍ صلب يُمكن من خلالِها تعميمُ أفكارها، فالكلُّ يسير في إطارٍ نِسبِي، ولذلك فالحاجة ماسَّة إلى الاستِناد على أساسٍ مُطلَق يتناسب مع البشريَّة كلِّها، باختلاف عوارضها وصفاتها، يُمْكن جعله إطارًا مرجعيًّا يُخْرج البشريَّة من أزماتها.

*العنوان مقتبس من كتاب للدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله تعالى، عنوانه: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان.