الاكتئاب…ثمن الشعور

569

ذاك الغول الذي بات يؤرق الكثيرين، يسجن صاحبه في دوامة من التناقضات، أشكاله عديدة؛ قد يكون خوفاً من شيء مبهم، أو خوفا غير منطقي، أو إرهاق واضطراب في النوم، أو فقدان الشهية، أو خمول وكسل، أو يأس وحزن شديد، بالإضافة إلى فقدان اللذة في العيش وغيرها من الأعراض.
يعرِّفه الأطباء النفسيون على أنه خلل في وظائف الدماغ ونواقله الكيميائية، قد تكون أسبابه جينية أو ناتجة عن التعرض لضغوطات نفسية واجتماعية كبيرة، لكن تبعاته وخيمة؛ كأن يصبح الشخص غير قادر على ممارسة نشاطاته اليومية بشكل عادي لتتطور حالته المرضية وصولاً إلى أذية النفس.

جميعنا نملك لحظات تعيسة، وجوانب مظلمة وخطوات خاطئة، لكن القليل منا من يستطيع تداركها والإفصاح عنها وإخماد ضراوتها، تخيلوا مدى هشاشتي حين ظننت أن الكتمان والسكوت انتصار بينما هو أكبر هزيمة ارتكبتها في حق نفسي. ما أجهدني حقاً ليس فقط الحزن الذي أخذ من روحي، بل الصلابة التي كنت أظهرها للناس في الوقت الذي كنت أود فيه بكل بساطة الإعلان عن انهياري والهروب من كل شيء، كنت أشفق على نفسي لعدم فهم أحدهم أنني كنت مجبرة على الثبات والقوة لتحطمي تماماً وفقداني لرفاهية الانهيار.

صحيح أن للاضطراب الهرموني دورا في إصابتي بالاكتئاب لكن ليس من الصحيح أن أنكر أن للخذلان، والانكسار، والأذى، والخيانة وخيبة الأمل دورا أكبر. مشكلتي كانت في تفكيري في كل كلمة تقال، في الغوص في تفاصيلها وربطها بمواقف قديمة ومحاولة الوصول لمقصدها فيتعكر مزاجي بينما كان الحل الأسهل هو ألّا أفكر، إضافة لخوفي الزائد من انكسار الأشياء الذي كان يكسرني ويبقيها، والحضور باندفاع كبير لا يتجزأ، وإعطاء الأشياء أحجاماً تفوقها، وحين أسقط لا أسقط متفرقة بل بثقلي كله، لم أكن شخصاً بائساً، كنت شخصاً يشعر بعمق ويسمح للإحساس بأن يملأه، حتى شعور السعادة والحب أشعر بهما بشدة كما أشعر بالألم، وهكذا، فإن الإصابة بالاكتئاب كان ثمناً للشعور.

في الحقيقة وجدت أننا لا نقف على أقدامنا، نحن نقف على قلوبنا لذلك فإن التعامل بالأخلاق الطيبة ترفعنا للسماء أما السيئة فتدفننا بالأرض، لم تكن الطيبة صدقة من عبث، فبعض الكلمات تعيد الروح من حافة السقوط.. نحن نحتاج للوقوع أحياناً كي نشعر بلذة الوقوف فأنا الآن أكثر خفةً مما كنت عليه، أكثر سلاماً واطمئناناً، أصبحت مدينة للاكتئاب، للعتمة التي غرقت بها، فلولاها لما عرفت قيمة النور الذي بصدري، أصبحت أختار الانفصال عن أي شيء يسلبني فرحتي، فالانفصال بحد ذاته ارتباط، ارتباط بالطمأنينة والراحة والخلاص من الكثير من المشاعر السيئة والترددات المزعجة.