الخلة الصادقة

152

كثيرة هي الصداقات العابرة جسور حياتنا على اختلافها، منها ذات المصالح المشتركة كالدراسة أو العمل، ومنها المديدة التي رأت النور في الطفولة أو القصيرة المشتتة عند أول خطيئة، أما تلك التي نطلق عليها صداقة العمر، فهي نادرة لا يرجى لها بقاء.

صديقك الوفي الذي تتحمس للقائه كلما سنحت الفرصة بذلك، وقد تقضي الساعات الطوال في محادثته دون كلل، الذي تجد دواءك في إنصاته لك، والذي دائما ما يعطيك نظرة مختلفة ورأيا مضادا أو مؤيدا في مجالات السياسة، والدين، والمجتمع، والدراسة، والعمل والعائلة وكل موضوع يمكن أن يزلزل تفكيرك. تجد نفسك بمعيته تارة ذلك المثقف الذي يأخذ ويعطي في جلسة علمية، وطورا ذلك الأمي الذي ينهل من المعرفة والنور.


صديقك الوفي الذي لا يتجاهل مكالماتك أو رسائلك وإن كان مشغولا، حتما سيجد وقتا ليجبر خاطرك بالإنصات والحديث إليك. صديقك الوفي الذي ما إن يضيق صدرك بتفاهة من تفاهات الدنيا، إلا ويستمع لك دون نصائح وكثرة كلام، هو فقط يجعل من نفسه بحرا ترمى فيه الهموم بالإفصاح. صديقك الذي في الشدائد لا يفعل كما فعل معارفك الذين كنت تفتخر بصحبتهم، والمتغافلون استنجادك به.
صديقك الذي يؤازرك بنظرة مختلفة للمشاكل التي تجعل منها كوارث لا تحصى أضرارها، ويجعلك تؤمن بأن الحل موجود لا محالة. صديقك الذي يحترم احتفاظك بخصوصياتك ولا يفشي لأحد بما تبوح له به، حتى إنه قد ينسى ما تحدثه به عن نفسك في كثير من الأحيان، الذي لا يكترث كثيرا إلى لممك وسفاهة قولك، والذي فضائله تغنيك عن أذيته من قول أو فعل، -غض طرف متبادل مبني عن الكمال الإنساني-. الذي يقبل اعتذارك المباشر وحتى اللامباشر ولا يلتفت إلى سفاسف الأفعال في الماضي.

منصفك الذي لم يكن ليدع نفسه تشتعل غيرة من نعمة أنت فيها. كيف ذاك وهو المدرك أن كل منعم تألم وكابد حتى حقق أمانيه، وهو الواعي بأن لكل مجتهد نصيب وأن لكل صبور جزاء. صديقك الذي إن لم تجمعك به صدفة أو أزمة أو طفولة، قد يكون أبوك أو أمك أو أخوك أو أختك أو قريبك أو زوجك، وأعظم بها صداقة. صديقك الوفي الذي لن ينساك من دعوة صادقة بعد مغادرتك للحياة، مهما جرفت به الدنيا في حلوها وعلقمها، سيجد دائما ما يذكره بك ويبتسم لذكرياتكما الجميلة. صديقك الوفي الذي إن جادت به الحياة مرة، فقد لا تجود مرتين، احمد الله عليه ولا تكن يوما سببا في الفراق.