ضَريبةُ الاختلاف

277

يؤسفني أن أقُول: إنّ أولئك الذين اختاروا طريقَ التميُّز، بأن يكونوا مختلفين عن كافة الناس؛ بذاوتهم، وأفكارهم، وطريقة عيشهم، وكل شيء يخصهم في الحياة هم الآن في قائمة المَنبوذين!
فأن تكون مُختلفًا عن أحدهم بمعنى أنّك تحمل له كُرها خفيًا يتجسد في اختلافك عنه، ولعل ما وصل إليه مجتمعنا العربي من انحطاط أخلاقي وتَراجع على مستوى الوعي العقلي أبلغ دليل على هذا، فأن تُناقش أحدهم في قضية ما وتختلف معه لأنك تملك رأيك الخاص بك الذي يجب عليه أن يحترمه في جميع الأحوال كما هو الأمر واجبٌ عنك كذلك؛ هو أمرٌ مفروغٌ منه للأسف!

نحن نعيش على واقع النُسخ المكررة، ما أفعله أنا يفعله صديقي، ومايفعله صديقي، تفعله صديقتي وهكذا دواليك.
فأين هي ياتُرى “ذاتك” من كل هذا؟!
خلقنا الله سبحانه وتعالى مختلفين، وجعل لنا في الاختلاف حياة، فلماذا نعاقب أنفسنا “بالتكرار” ونُعاقب من اختلف عنّا بالكره والنبذ؟!
أنت لا شأن لك بما يفعله الآخرون في حياتهم؛ لاشأن لك في طريقة لِباسهم، أو في مأكلهم ومَشربهم، لا شأن لك في آرائهم المختلفة، ولا شأن لك في أفعالهم وفي كل شيء يخصهم، كما لا شأن لهم في حياتك الخاصة!

دَع كل شخص يعيش حياته بنسق مختلف عنك، فلا أنت جزء منه ولا هو جزء منك وإن كان ذلك الشخص أخا لك من أبيك وأمك، وتجمعكما قرابة دَمٍ فلا يحق لك بتاتا أن تمُلي عليه كيف يعيش حياته، هذا على سبيل المثال ليس إلا!
يؤسفني حقًا أنني أعيش في مُجتمع، لايزال يرى أن الشخص النقي ذا النيّة الطاهرة هو شخص بليدٌ، ساذج؛ فقط لمجرد أنه شخصٌ مختلف عنهم، لا عِلم له بطبعهم ولا معرفة له بمعدنهم الذي طغت عليه شرارة الصدأ فأصبح لايعرف طريقا للبياض!

يؤسفني أن زُمرة المختلفين، عشّاق الحياة
المختلفة، المتميزون عن النُّسخ المملة لايزالون في صِراع دائم مع “فيروس التكرار”، يؤسفني أنهم لا يزالون في بحث مستمر عن ذواتهم، وعن القلوب التي تحتضنهم وتُحبهم باختلافهم، يؤسفني أنّ اختلافا واحدا قد قتل صداقة دامت لعدة سنوات، فقط لأن الاختلاف فعل ممنوع في قواميس البعض من النّاس؛ يؤسفني وبشدّة أننا بالرغم من كوننا نعيش في مجتمع وصلت قِواهُ التقنيّة والتكنولوجية أقصاها مِن التطور، ولا زالت هناك هوّةٌ عقلية عند بعضهم تحتاج لكميات هائلة من الوعي، يؤسفني أن ضريبة الاختلاف دوما ما تكون قاسيّة، فهل ترانا حقًا شعوبًا مُتحضّرة ونحن لا نؤمن بالاختلاف؟!