سجناء خارج القضبان

110

دوَّنوا الكتاب وأَنْهَوا حروفه ووضعوه فوق رأس كل من لمست عروقه دماء آدمية، رسموا حدوده وها نحن ذا خاضعين لمن لم تكتب لنا الأقدار أن نقابلهم، ودَّعونا وودّعْنا معهم حرية الأجيال اللاحقة.

من أول نفس لنا في هذه الحياة العابرة ونحن نعيش تحت سيطرة الآخرين. بداية بمرحلة الطفولة إلى غاية آخر رمق ينبض في قلوب لم يكن لها الحق في إسماع صوت ضرباتها. نتربى تحت وطأة قواعد دشنها أناس لا نختلف معهم في مقدار العقل، غير أن تجاربهم -على ما أظن- سنحت لهم بفرصة تنوير دربٍ مُجبَرون جميعا على الولوج إليه والمرور منه، غير أن ظُلمة الحياة تتغير وليس من الضروري أن تَصلح مصابيحُهم لكل زمان ومكان.

خلقنا الله عز وجل وميزنا جميعا كبشر بالعقل لنفكر، ونتدبر، ونتأمل، غير أن العديد منا اختار طريق الآخرين عوض شق طريق أخرى تلائم روحه. وما كل هذا إلا نتاج لبيئة تُعَلمنا الاتكال على الآخر أكثر من الاتكال على الخالق. بيئة تُنْبِت في فكرك بذرة لتسقيها أعينُ الآخرين وتقطفها بعد ذلك ألسنتُهم.

غريب أننا لم ندرك بعد قيمة الاختلاف الذي نتميز به كبشر. فهذه الصفة كفيلة بأن تجعلنا قادرين على التميز والاختيار أيضا، وقادرين على السؤال والتساؤل وليس حفظ الإجابة، وقادرين على التفكير والابتكار عوض الكسل. قادرين على الإنتاج أكثر من تبني فكر الاستهلاك والتقليد الأعمى الذي أضحى منتشرا بوتيرة مرعبة.

نختار الاصطفاف والظفر بكراسي الجماهير، نشاهد ونصفق وننتقد بلسان ذي حدين عوض أن نحاول الوقوف فوق الخشبة لنصارع ونتحدى جل الأعين المراقِبَة لنا والتي تنتظر فقط أن نجلس بجوارها. لقد اخترنا أن نعيش جميعا بنفس الوجه إلا أن الجسد مختلف. اخترنا أن نحيى حياة بأسرها متشبهين بالغير وجل اهتماماتنا ينصب في نظرته إلينا وكلامه عنا إذا ما اخترنا اتباع أهوائنا والانسحاب من القافلة.

نحن لا نشبه بعضنا البعض كما أننا لسنا مجبرين بتاتا بأن نكون كذلك، وكما يقال إن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، إلا أن هذا المبدأ لم يجد لنفسه مكانة وسط عالم ينتظر فقط أن تمسك معه نفس المِقود حتى وإن كان الطريق مجهولة نهايته.

لست ضد من حفروا أفكارهم في جدار التقاليد والخطوط الحمراء، لكني لا أؤيد فكرة العيش بين حيطان متلاشية، حيطان لا يُسْمح لنا بالتنفس داخلها، حيطان تمنع عنا العيش بالطريقة التي نؤمن بها حتى وإن كانت غير صائبة. فمجرد المحاولة كفيلة بأن تجعلنا نفرق بين الخطأ والصواب، وهي كفيلة أيضا بأن تجعلنا نبحث أكثر بُغية إيجاد مسلك تُضيئه أفكارنا ومبادؤنا بعيدا عن أضواء باهتة لم تعد تنير حتى أصحابها ومن وضعوها. فهذه الأفكار الموضوعة هي كالسموم تجري في ذواتنا لنتذوق طعم الهزيمة من قبل حتى أن نجرب، وتخرس سيمفونية عقولنا المبدِعة لتعزف عوضها لحن الفشل والاستسلام. هذه السموم تفتك بأحلامنا شيئا فشيئا لتدفنها تحت كلمات اليأس والإحباط، وتعلق بجوارها روحا لا ذنب لها في كل هذه القصيدة التي كتبت، بدورها، من طرف أيادٍ لم ولن تعرفنا أبدا.