العيد بعدها ليس عيدا

347

لست من هواة البكاء على الأطلال ولا أحترف سحب دموع من يسمع إلقائي أو يقرأ ما أكتب مغناطيسيا، غير أني على العكس من ذلك أعشق المقارنات، وتسجيل تغيرات الحال… فذلك حال الدنيا وعيبها!

أذكر أنني كنت طفلا همه يوم العيد حلوى معينة الشكل ‘شكلاطية’ الطعم لونها بين البياض والسواد، تصنعها أمي تارة ويقتنيها الوالد تارة أخرى إن هي لم يمهلها الوقت لصنعها. كنت أرتشف السعادة حين أسلم على الأغراب بعد صلاة العيد، ولا ألبس من الثياب إلا الجديد: لقد كان تعبيرا عن الرتب الاجتماعية حينها بين صغار الأبدان والعقول.

كانت تسعدني زيارة الأقارب وأصدقاء الوالد لبيتنا، كان أصغرهم يكبرني بثلاثة عقود… كنت أجد في حديثهم المليء بحسابات الحياة والتخطيط والشكوى أحيانا إطلالة على المستقبل، وفي ضحكاتهم استراحة قصيرة من حرب طويلة لن تنتهي أبدا.

لم تكن تخيفني عشية العيد كما هو الحال الآن! كانت كل شوارعنا ملاعب وكل أبوابنا مرمى، والمباريات عندنا لا تنتهي تماما كعدد التغييرات حتى يقرر صاحب المستديرة ذلك، وعدد اللاعبين يتضاعف كلما التحق الرفاق. كان العيد أسبوعا والفرحة شهرا، وكان اللباس الرسمي لأول يوم دراسة بعد العيد هو لباس العيد نفسه طبعا… كان عرض أزياء مصغر!

مضى الزمن ورحلت صانعة حلوى الشكلاطة وحاملة سعادتي… صار صباح العيد يمضي عندي بلبس الأيام سواه، اكتشفت حينها أنني لم أكن أفرح باللبس قدر ما أفرح بفرحتها بسعادتي. صارت زيارة مقامها روتينا لصباح العيد، ومعايدتها الأحادية الجانب جزءا من الروح، وعناق روحها دواء لعلل أجمعها قبل زيارتها، وأمضي في سبيل جمعها من جديد بعد أن أنصرف…

صارت الشكلاطة أكلا، والرحيل من المصلى أسرع من القدوم إليه، وعشية العيد تمضي في كتابة المذكرات النوستالجية كهاته… أصبح العيد نصف يوم فقط، ولباس العمل بعد العيد كلباس كل الأيام سواه، ورسائل التهنئة تقدم محفوظة قرأها العشرات من قبلي وأعيد إرسالها للعشرات من بعدي… لقد جردت من عواطفها!

اللهم ارحم كل من غيبه الموت عن مكان بيننا وروحه تأبى الرحيل وتدرك أن العيش من دونها مر.