التأثير السائل

238

لعل من أكثر الكلمات المستعملة اليوم لوصف رواد مواقع التواصل الاجتماعي الحاصلين على متابعة جماهيرية هي كلمة مؤثِر، يكفي أن تتعدى حاجز العشرة آلاف متابع مثلا ليتم توشيحك بوسام التأثير. ليصبح العالم بذلك مليئا بآلاف المؤثرين في ظل التساؤل المشروع هل يوجد تأثير حقا ؟

كي نفهم هذه الظاهرة الاجتماعية جيدا -التي سأسميها التأثير السائل- دعونا نتكلم قبل ذلك عن التأثير في عصر ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي. كانت “المؤثِر” صفة تُطلق على أكثر الشخصيات نجاحا في مجال معين بعد أن يتركوا أثرا كبيرا في محيطهم سواء في مساحة ضيقة (أسرة، حي، مدينة) أو في مساحات أكبر وأوسع، التي تعتبر العالمية أعلاها. ويعتبر تفرد هذا الشخص بهذا النجاح من أكثر المعايير التي تفرض نفسها في هذه العملية. ليكون المؤثِر بذلك قطع أشواطا في تجارب شخصية ومجتمعية حقيقية تتطلب مجهودا حقيقيا وتحتمل في الأخير أن يكلل مجهوده بالنجاح أو بالفشل. كان التأثير إذن يمر من مراحل صلبة بظروف وحيثيات صلبة لذلك كان مفهوما صلبا.

في المقابل، التأثير السائل الذي نحن بصدد التكلم عنه، لا يحتاج كل هذه الأركان والحيثيات.. يكفي أن تنتصب واقفا أمام كاميرا لتبدأ عملية تأثيرك. لنجد أنه من المؤثرين اليوم (المؤثرات خصوصا) من أعظم إنجازاتها أنها جميلة ظاهريا وأنها تشارك جمهورها روتينها اليومي من قبيل “شاهدوا أخي الصغير كيف يمنعني من تصوير فيديو” أو مقاطع لتعليم لفات الحجاب أو التحديات التافهة الخالية من الإفادة وحتى من التسلية. والنماذج في هذا الصدد كثيرة جدا.

مقالات مرتبطة

ذاكرة الماء..

التعليم التفاعلي..

الشيء الذي يطرح علامات استفهام كثيرة في الموضوع هو السهولة في ارتقاء هؤلاء الناس إلى عرش التأثير، الطبيعة البشرية تُحتم أن الأمور العظيمة -والتأثير واحد منها- مقرونة بصعوبة التحقق، المؤثرون الحقيقيون عبر التاريخ واجهوا من الصعوبات ما يعجز مؤثِر اليوم عن استيعابه حتى، وكانوا نماذج يشهد الجميع أن ما مكنهم من ذلك هو اختلافهم الكبير عن نموذج الإنسان العادي. بأفكارهم الغير اعتيادية وبطرقهم التي لا تخطر على بال أحد. في المقابل التأثير السائل هو مجرد نشر فيديو لتحدي من يضحك أولاً يخسر.

رجوعا إلى تساؤلنا الأول عن مدى وجود تأثير حقا في هذه العملية. أؤكد أنه هناك تأثير فعلا إلا أن الغالب فيه جانبه السلبي. وبالحديث عن ذلك أكدت دراسة قامت بها وزارة الصحة البريطانية مؤخرا أن “مؤثِرو” تطبيق انستغرام يمارسون ضغطا  نفسيا رهيبا على متابعيهم، حيث أن نمط العيش الذي يعرضونه يفرض بشكل تلقائي وبديهي نموذج وشكل وحيد للحياة السعيدة المليئة بالنجاحات والإنجازات المزيفة، وحين يدرك المتابعون أن الوصول للسعادة من خلال هذه الطريق غير ممكن نظرا للظروف الصعبة والموارد المحدودة التي يمتلكونها، يغرقون في ضغوط نفسية قاسية ويدخلون في حالات اكتئاب حادة. هذه العملية إذن هي تشويه لنموذج السعادة وهي تأجيج للشعور بالخوف من الفشل  وعبث بمشاعر الرضى وقبول الذات لدى الناس.

من مميزات التأثير السائل أيضا، أنه عملية تقع في المنحيين بشكل متساو تقرييا، فمؤثر المواقع الاجتماعية يتأثر بدوره من متابعيه. وقد يبلغ هذا التأثر درجة قتله لنفسه كما وقع مع المراهق الذي نشر استطلاعَ رأي فيما إن كان من الأفضل أن يستمر في الحياة أو أن يموت، ليُصوِّت أغلب متابعيه للأسف بأفضلية موته فينتحر في الحال.

ما دفعني لكتابة هذه التدوينة هو استفزازي المتكرر باستعمال كلمة مؤثر في أوساط مواقع التواصل الاجتماعي، لأن التأثير حاصل حقا إلا أنه يبقى عملية سائلة تحتاج الكثير من الأركان لتصل إلى مرتبة التأثير الصلب الحقيقي. معرفتنا بطبيعته السائلة يفرض علينا نوعا آخر من التعامل معه، خصوصا بعد إدراكنا للجانب المظلم أوالمزيف فيه.