كن رجلا، إذا جاءوا بعده يقولون : مر، وهذا الأثر !

1٬521
من الأسئلة المتكررة والخاطئة، من وجهة نظري، سؤال: كيف توازن بين أكثر من عمل واهتمام؟ ومنشأ الخطأ في هذا السؤال ليس، فقط، في كونه يفترض أن هذه الموازنة شيء غريب يُتساءَل عنه بدهشة، بل، أيضا، لأنه يستبطن مسلمة غير صحيحة، وهي أن الأصل في الإنسان أن يكون له عمل واحد. وهذه من الاعتقادات التي عملت الرأسمالية على ترسيخها، فيتم اختزال الإنسان في مهنة معينة أو عمل معين، بشكل يُفهِم المتلقي أن قيمة الإنسان تسمو بقدر سمو المنصب الذي يُشغله. وتأمل هذا في قولهم معرِّفين بشخصٍ معين: “وزير سابق”؛ والحق أنْ ليس هناك علاقة تلازمية بين الأمرين.

إن التأمل في الحياة الأوَّلية للإنسان يَكشف لنا أن هذا الارتباط بالوظيفة هو أمرٌ حادث، ولم يكن لدى أجدادنا الأوّلين، بل إنك تجد الواحد منهم يحترف أكثر من عمل ومهنة، فقد يكون اليوم، صيادا، وغدا يتحول مزارعا، ثم يصير بعد ذلك تاجرا، وهلم جرا.
إن طبيعة قدرات الإنسان ترفض مثل هذا التنميط، ذلك أن الإنسان هو “ذلك العالم الأكبر”، كما وصفه علي بن أبي طالب، وبإمكانه أن يقوم بأشياء كثيرة وعظيمة في الوقت ذاته. طبعا لا بد أن يكون الجانب الأكبر من تركيزنا موجها لشيء معين، حتى نصل فيه إلى درجة التميز والإحسان، لكن لا ينبغي اختزال قدراتنا في شيء واحد.
إن تحقيق وجودنا الاجتماعي ينبغي أن يرتبط بالإسهام والتفاعل مع محيطنا وتحدياتنا الاجتماعية، وليس بالانكباب والانصهار في وظيفة واحدة، إذا كانت مفيدة، فإنها لا تفيدنا إلا على المستوى الشخصي.
وهذا لا يتأتى إلا بالانخراط في مشاريع طموحة وهادفة ومتنوعة. وفي هذا المقال سأحاول أن أستعرض بعض الأفكار التي هي خلاصة تجربتي في إنشاء وتأسيس بعض المشاريع، وأعتقد أن من شأن مراعاة هذه الأفكار وهذه الخطوات أن تُسهم، بشكل كبير، في إنجاح أي مشروع، كائنةً ما كانت طبيعته. ومن الجيد أن أشير منذ البداية إلى أن فلسفتي في هذا الجانب تقوم على التبسيط والتيسير، وتتخلص في أن ما تقتنع به، بأهميته، بجدواه، بالحاجة إليه: “بادر وقُم به”. لا يَحسُن بك، ألبتة، تضييع الوقت والتعمق في البحث عن إجابات لأسئلة هامشية.
وحين تقوم بما تقتنع به فالأمر لن يخلوَ من إحدى نتيجتين: إما أن تنجح، ومن تم تخطو خطواتٍ للأمام، وإما أن تفشل وتتعلم من تجربة فشلك وتسهم في إغناء شخصيتك. وفي كلتا الحالتين فقد تعلمت واستفدت شيئا. صحيح أننا في مجتمع يَستمتع بالتنكيل بالفاشل والسخرية منه، لكنَّ ألمَ الفشل مؤقت، يتم تجاوزه بمرور الوقت، وما تستفيده من تلك التجربة ينصهر في شخصيتك ويثريها، ومن تم يبقى معك طول حياتك. في الواقع، نحن ضحايا الاعتياد في الكثير من الأحيان، والاعتياد يغتالنا في أبسط تفاصيل حياتنا. أتذكر أنني في سنة 2013، لاحظت أن ظاهرة TEDX بالفرنسية قد انتشرت بشكل مبالغ فيه في المغرب، فحين تحضرها تجد أن المشاركين كلهم لا يتحدثون إلا الفرنسية، حتى لكأنه ترسخ لدى الناس أن من شرط المشاركة في هذه التظاهرات أن يتقن المرء الفرنسية.
شعرتُ أن شيئا ما ليس كما يجب أن يكون، لم يَرُق لي هذا الوضع، خاصة وأن المشاركين غالبا هم نفس الأشخاص، فعقدتُ العزم على السعي جاهداً في تنظيم TEDX، لكن شريطة أن تكون بالعربية، وأن يكون المتدخلون غير هؤلاء المألوفين عادةً، هناك حاجة إلى أشخاص آخرين، لهم أفكار أخرى غير ما عهدنا سماعَه. وبعد أن تداولت في هذا الأمر مع بعض أصدقائي استطعنا –بالتعاون- تنظيم TEDX بالعربية في المغرب لأول مرة. وما زلتُ أتذكر أن من بين المتدخلين المرحوم عبد الله بنشقرون، الشاب والمخترع المغربي، ولا زلت أتذكر أنني مَن أحضرتُه، وقد دارت بيني وبينه بعض الحوارات الطريفة في الطريق.
نعم، هذا نموذج بسيط لما يمكن للمبادرة أن تُحدثه من أثر، ليس في الأمر أي تعقيد، ولكنه، في الآن ذاته، عظيم النتائج؛ لأنه بدون هذه المبادرة لَربما بقي الأمر،إلى اليوم، على ما كان عليه؛ أن تبقى هذه الملتقيات حكرا على النخبة الفرانكفونية، وكأن مَن لا يتحدث الفرنسية ليس لديه ما يشاركه مع الآخرين، وما يفيدهم به! طبعا، ليس كل مبادرة تستلزم، ضرورةً، تحقيق النتائج التي ترنو إليها، لكنني من خلال تجربتي المتواضعة في هذا الجانب، خَلُصتُ إلى أن كلَّ مشروع، تُقبل على إنشائه، لكي ينجح، فأنت تحتاج إلى ثلاثة أمور أساسية:
الأمر الأول: أن تكون لك حاجة شخصية في المشروع، ولستُ أعني هنا بالحاجة الحاجيات المادية، وإن كان هذا لا يعني، ضرورةً، استبعاد الجوانب المادية، لكنّ قصدي أن يكون المشروع يحقق لك إشباعا شخصيا بوجه ما. فلو أخذتُ مشروع معاني على سبيل المثال، فأنا في الأصل كنت مدونا؛ أكتب بشكل مستمر، والحقيقة أنني كنت سأستمر في الكتابة، حتى مع افتراض أنه لم يتم تأسيس معاني. ولذلك فهذا المعطى كان حاسما في دفعي للتفكير في إنشاء معاني، ومن تَمَّ اقترحت الفكرة على مجموعة من الأصدقاء، قصد جمع المدونين تحت مظلة واحدة، ومنصة نشر واحدة، عوض أن يبقى كل واحد يكتب في صفحته الشخصية، قد يقرأ له الناس وقد لا يقرؤون. ومِن تم، وُلِدت معاني.
والأمر الثاني: أن يكون المشروع يستجيب لحاجة مجتمعية، هذه الحاجة لا تشكل حافزا فقط على الاستمرارية، وإنما أيضا، تمثل ضمانا لمشروعية وجود فكرة المشروع من أصلها. ومشروع معاني كان يلبي حاجة مجتمعية؛ إذ لاحظنا أن هناك العديد من القراء المغاربة خاصة لهم الرغبة في القراءة: قراءة منتوج مكتوب بالعربية، محترم، جيد الصياغة، غنيّ المضمون. والذي كان يحدث أنهم لا يجدونه غالبا. وكل ما يجده الواحد منهم سيل من الروابط التي تحيلك على تحليلات صحفية لقضايا تافهة لا تنتهي، والتي تُشغل الرأي العام، ويروج لها في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يثير الدهشة.
والأمر الثالث، الذي يستلزمه نجاح أي مشروع واستمراره، أن يكون للمشروع رسالة نبيلة، تتجاوز مجرد تحصيل النفع المادي، هذه الرسالة لا تسهم فقط في نشره بين الناس، وإنما في استمراره أيضا. فكون المشروع يرتبط برسالة معينة يعني القطع نهائيا مع السمة الشخصانية للمشروع، بحيث يصبح المشروع مستقلا عن مؤسسيه، يحقق نفسه بنفسه، انطلاقا من الحاجة التي يلبيها، ومن الرسالة التي يهدف إلى تحقيقها. إن وجود المشروع على هذه الشاكلة يعني أنه سيبقى ويستمر، حتى لو انسحب بعض المؤسسين، مهما كان دورهم؛ لأنه منذ البداية لم يتخذ طابعا شخصانيا.
إن هذه الأمور الثلاثة تُسهم بشكل حاسم في نجاح أي مبادرة أو مشروع تبادر إلى إنشائه، وقد تأكد لي هذا، لا من خلال مشروع معاني فقط، وإنما من خلال مشاريع أخرى، تظافرت كلها على ترسيخ القناعة بأهمية هذه الشروط الثلاثة. ولا بد أن أشير هنا إلى أن الأمر، في جملته، يرتبط في جزء كبير منه بتجاربنا الشخصية، أعني أن تجاربك الشخصية هي ما يُبصّرك بما ينبغي أن تقوم به؛ لأن من المستبعد جدا أن تقوم بمبادرة في مجال أنت لا تعرف عنه شيئا. ومن هنا كانت مبادرة stepout، والتي رمنا من خلالها إخراج طلبة الطب من ضيق جدران الكلية، ومن الاستغراق الكلي في المطبوعات والمقررات الدراسية، إلى سعة العالم، والانفتاح على رؤى وتجارب أخرى في الحياة، تسهم في إغناء شخصياتهم، وتوسيع أفقهم، من خلال تنظيم أنشطة تُسهم في تحقيق هذه الأهداف، بالالتقاء مع نُخَب وشخصيات بإمكانهم أن يقدموا لهم شيئا يفيدهم لا في حياتهم المهنية فقط، وإنما في حياتهم بشكل عام.
إن مشروع stepout، في الحقيقة، هو وليد شرعي للمحنة التي عشتُها وعاشها زملائي في كلية الطب أيام الدراسة، ذلك أننا درسنا في الكلية في وقت كانت فيه المعلومة منعدمة تقريبا، والتكوين الطبي كان في أسوء حالاته. وقد انتقلنا من مرحلة الثانوي إلى مرحلة الدراسة الجامعية دون تحصيل الوعي اللازم بخطورة الانتقال إلى هذه المرحلة المهمة في حياتنا. مع الاعتراف بأن الأمور، إلى حد ما، قد تغيرت اليوم مع الثورة المعلوماتية والتقنية، وحصل تطور ملحوظ جدا في وعي الشباب.
للأسف، لم تكن أيام دراستنا بالكلية أيام جيدة للتذكر، لأسباب كثيرة، ليس من الجيد الخوض فيها في هذا المقال. لكن القصدُ أن stepout يهدف بالأساس إلى تجنِيب طلبةِ الطب هذه المحنَ والمشاكل التي قد يواجهونها، وتوعيتهم بطبيعة الحياة المعاصرة والتطورات التي تجري بشكل مستمر وكيف يمكن التأقلم معها. إن الرغبة في تجنيب الأجيال القادمة للتحديات التي واجهتنا في الدراسة، في جميع مراحلها، هي ما دفعتني أيضا أنا وبعض أصدقائي إلى تأسيس nivokids، وهو نادٍ بمثابة حضانة للأطفال، ابتداء من عمر السنتين، يقوم بالأساس على ضرورة توعية الناشئة بالتغيرات المستمرة التي يشهدها العالم، انطلاقا من يقيننا بأن ما تعلمه إياهم المدرسة من معرفة تقنية ولغوية غير كافية إطلاقا في مواجهة هذه التغيرات السريعة.
إن الوعي بهذا القصور في المناهج التعليمية والتربوية يجب أن يدفعنا للتفكير في الطريقة التي نربي بها أولادنا؛ إذ ما يزال مفهوم “الدراسة الجيدة” عندنا يعني أن تقضي وقتا أطول في الدراسة، وأن تتعب جسديا. ولا نعلم أبناءنا أن يكونوا أذكياء في دراستهم: أن يدرسوا أقل، وأن يحصلوا أكثر، بالعمل والتركيز على ما ينمي ذكاءهم، ويحسن مهاراتهم، لا بتكديس المعلومات في ذاكرتهم، دون أن يميزوا بين ما سيحتاجون إليه، وما لن يحتاجوا إليه مطلقا، ودون معرفة كيفية استثمار تلك المعلومات المحصلة عندهم. إن فكرتنا التي نحاول تفعيلها من خلال هذا المشروع هو أن ندرس لأبنائنا المهارات، لا أن نلقن لهم المعلومات فحسب، أن نعد جيلا يستطيع أن يتفاعل بشكل مثمر ومنتج مع هذا العالم الذي يتغير بسرعة كبيرة، أن نعلمهم مهارة التجديد المستمر في مهاراتهم للتكيف مع هذا العالم المتغير. طبعا، لا أكتب هنا من أجل الترويج للمشروع، إذ هذا يجب القيام في غير هذا الموضع، لكن الغاية أن أبين أن هذا المشروع احتاج لإنجاحه تلبية حاجة شخصية، وحاجة مجتمعية، وله رسالة نبيلة، وهو الأمر الذي كان حاسما في نجاحه وسرعة انتشار إشعاعه على مستوى مدينة تمارة. وبعد؛ فإن هذه الشروط الثلاثة التي تقدم بيانها تتعلق بالمشروع من حيث هو فكرة، أي قبل تنزيله إلى الواقع، وبعد استيفائه لهذه الشروط، يحتاج فريقا للعمل على تطبيقه وتنزيله.
وذلك أن الفكرة مهما كانت مبدعة ورائعة ونبيلة وهادفة، ما لم يكن هناك فريق منسجم ينزِّلها على أرض الواقع، فإنه لن يكون لها أي أثر، والسؤال إذن كيف يتم اختيار هذا الفريق؟ إن الذي أكدتُ عليه في أكثر من مقالة سابقة هي أن أول ما عليك فعله، كفرد له ذات مستقلة، هو أن تعي بذاتك، أن تعرف نقاط ضعفك وقوتك، وأعني خاصة فيما يتعلق بعلاقتك بالآخرين، وأن تُطلع الآخرين عليها بأقصى ما يمكن من الصراحة، حتى يكونوا على بينة من ذلك. إنه كلما كان الفريق الذي يعمل معك على معرفة جيدة بشخصيتك، كان ذلك أدعى إلى النجاح وتحقيق الحد الأقصى من التفاهم. وهذا الفريق، حتى يكون منسجما، لا بد أن تتوفر فيه، بدوره، مجموعة من الشروط: أولها: الاحترام، وهو شرط لازم في كل علاقة مهما كانت طبيعتها؛ ثانيها: التكامل والتنوع، وذلك حتى لا يتكون المشروع من أشخاص لهم نفس الرؤى والأفكار، وهو ما يؤدي إلى الجمود والرتابة؛ ثالثها: التسامح والإيثار وإنكار الذات؛ ورابعها: الجرأة وروح المغامرة، بحيث يتفاعلون إيجابا مع كل الأفكار المطروحة.
وأشير، على سبيل الختم، إلى أن هذا كله يجب أن يكون مسبوقا بالصدق مع الذات، أعني أنك حين تقبل على إنشاء مشروع معين، يجب أن تكون صادقا مع ذاتك، وتحدد أهدافك من ورائه، وعلاقتك به بشكل دقيق: هل تعتبره شيئا مهما في حياتك، ومن تم فأنت مستعد للتضحية بجزء من وقتك ومالك لإنجاحه؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون رغبة في إشباع فضول شخصي، وسرعان ما تنطفئ ؟ من أجل هذا، على كل واحد منا أن يتمتع بحس نقدي تجاه نفسه، وهو يتخذ قراراته. هذا النقد الذاتي هو الذي يمكن أن يَمنع بعض الناس من تضييع الأموال والأعمار في إنشاء مشاريع لا تحقق أي نفع خاص أو عام، وإنما تلبي لهم رغبة ساذجة في أن يُقدَّموا على أساس “مؤسس” أو “منشئ” كذا وكذا. والواجب الذي ينبغي أن نسعى إليه هو ترك أثر حسن، في حياتنا، وحياة أقربائنا وأولادنا، ومجتمعنا بشكل عام، متمثلين قول الشاعر: وكُنْ رجلاً، إذا جاءوا بعده، قالوا: مر، وهذا الأثر !