لا جدوى من اليأس!

171

كان لديك فيما مضى حلم فأصبح بعد ذلك مؤجلا إلى إشعار آخر، ثم انتقل إلى قائمة الأحلام المستحيلة الحدوث واقعيًا ومنطقيًا وبدا لك حينها أنه من الحري بك أن تطرد كل ما يخص ذلك الحلم من مخيلتك حتى تستقيم حياتك…

تعرف أنك إنسان قوي العزيمة والإرادة، تستطيع بشيء من الجهد أن تلغي تلك الفكرة من وجودك، وستنسيك الأيام ومشاغل الحياة وأحلامك الأخرى كل ما يتعلق بها وبذلك يختفي الحلم من واقعك ومن عقلك الواعي أيضًا… إن فكرة التخلص من غصة الإحساس بفقد حلم ما، كانت لتبدو لك فيما مضى عسيرة التصديق ولكنك فعلتها أخيراً رغم مضي الكثير من الوقت في المعاناة والصراع بين ما يوجد بداخلك وما لابد أن يحدث خارجك، ولكنك على كل حال سعيد جداً بالنتائج الآن…

تمر الأيام والشهور وقد نسيت كل شيء، وإذا بهذا الحلم يتحقق دون سابق إنذار في ليلة ما! أنت لا تصدق ما يحدث رغم أنه يحدث فعليًا! تتساءل في دهشة: هذا غير معقول! كيف حدث هذا ؟

لا تستطيع فعل أي شيء إلا الشعور بالذهول وما عليك بعدها إلا أن تشعر بنشوة وفرحة لا مثيل لهما.. تبتسم في وجوه من حولك كما لم تبتسم من قبل، ابتساماتك بلهاء كالعادة في مثل تلك المواقف غير المتوقعة ولكن لا بأس، أنت تبتسم وهذا شيء جيد!

تضحك بصوت عال، تركض في المكان من فرط ما يعتمل بداخلك من مشاعر تفوق الوصف… تتنهد تنهيدة ارتياح حارة وفجأة ودون سابق إنذار يختفي كل شيء…

تستيقظ من النوم، العرق يبلل وجهك وملابسك كأنك كنت في سباق عدو، وكأن ذلك الركض الذي كنت تتوهمه أصبح حقيقيًا… تستيقظ في الظهيرة في وضع مزر لتجد نفسك على سريرك الجاف الذي يؤلم ظهرك النوم عليه دائمًا…

بعد لحظات التيه المألوفة في تلك الحالة بين النوم واليقظة والخلط بين الواقع والحلم تبدأ في استعادة تركيزك شيئًا فشيئًا لتدرك أن كل ما سبق كان محض تخاريف أنتجها عقلك الباطن المنهك بفعل ما مارسته عليه من كبت شديد. لقد كان ما رأيت حلمًا، لكنك لا تجرؤ على وصفه بالجميل لأنك قتلته وشهدت جنازته ودفنته منذ شهور عدة…

تبدل الشعور بالنشوة بالشعور بالغصة، والشعور بإنجاز حلم مستحيل بالشعور بخيبة الأمل واليأس والإحباط مرة أخرى… ومن جديد يداعب الخيال عقلك، فتتخيل تلك الأحداث مرة أخرى بعدما نسيت ذلك الإحساس المتطلع إليها… فتتسلل المرارة إلى داخلك شيئًا فشيئًا وتعود أحاسيسك البغيضة الماضية بنفس القوة أو ربما أكثر ولا تستطيع أن تمنع حدوث ذلك…

مسكين أنت! لقد خرج الأمر من يديك فعلاً…

وها أنا أراك من ركن بعيد تحاور نفسك كالمجاذيب بصوتٍ عالٍ متهدج:

-أنا أبذل كل هذا المجهود منذ شهور كي أتخلص من هذا العبء النفسي البشع وقد ظننت أنني فعلتها، ولكن يتضح لي الآن أن كل هذا كان بلا جدوى !

لا يفعل الكثيرون مثلي، بل إنني لا أعرف من فعل مثل ذلك من قبل حتى!

-لقد رضخ عقلي الواعي لأوامري ورضي بالواقع وبالمنطق وفي النهاية يأتي هذا الحلم السخيف من أعماق أعماق لاوعيي المتضخم كي ينبش قبراً قصيًا منسيًا ويجعلني أرى جُثة عزيز ما كنت لأرغب في رؤيتها أبداً..

بربي ماذا أفعل بعد ذلك؟!

هل بقى لي جهد ما أكثر عقلانية وإرهاقًا لأفعله؟

يمكنك أن تصعد إلى القمر يومًا، ويمكننا اعتبار ذلك شيئًا منطقيًا، فقد تصبح تكلفة ذلك زهيدة مستقبلا!

ويمكنك أن تشهد أحداثًا وأن تسمع أخباراً لم تكن تفكر في تخيلها…

لكن هذا الحلم كان وما زال مستحيل الحدوث يا عزيزي، وكل الشواهد تدلل على ذلك..

ورغم ذلك يأبى عقلك الباطن أن يتركك وشأنك ويذكرك به ليل نهار لينغص عليك حياتك ويعيد إليك آلامًا لا تقوى عليها..

أعلم كل ذلك، وأهنئك على ذلك الشوط الذي قطعته رغم تلك الانتكاسة التي لا أرى لك ذنبًا ولا يداً فيها..