الطبيب الذي علمني حب القراءة

314

تعود بي الذاكرة أيام كنت تلميذا -أواخر المرحلة الإعدادية- كنت أشتغل في فترة العطلة الصيفية مع أحد أقاربي في مطعم للأكل، وكنت أتردد على طبيب أسنان لتوصيل طلباته، كان من أرقى الزبائن، رجل هادئ ومحترم..

كان يأذن لي بالدخول إلى مكتبه حتى أضع طلباته وكنت دائما ما ألاحظ كتبا متناثرة هنا وهناك، كان يستهويني مشهد الكتب التي تملأ حيزا كبيرا من المكتب، أكثر من صور وهياكل أفكاك الأسنان المنتشرة في القاعة، وذات مرة أطلت النظر في كتاب على طاولته.. كان هذا الكتاب هو رواية “بطل من هذا الزمان” لميخائيل ليرمونتوف وما زلت أختلس إليه النظر حتى انتبه إلي الطبيب وسألني إن كنت أحب القراءة فأجبته أي نعم ثم انصرفت..

بعد أيام عاودت زيارة الطبيب كما جرت العادة ليفاجئني بما لم أكن أتوقعه مطلقا سائلا: هل لديك رغبة في القراءة؟؟؟

لم أتردد في تأكيد الأمر بنظرة خجولة تخفي وراءها رغبتي مشاركة الطبيب في نفس الكتاب بغض النظر عن ما إذا كنت سأفهم ما يدور فيه.. لعلي أكتشف سر سمته، ثم بعد لحظة صمت، بادر بالقول خذ الكتاب فقد أنهيته، وهذا ما فعلته.. كانت فرحتي كبيرة وشغفي بلا حدود فهي المرة الأولى التي أحصل فيها على رواية خارج المقررات الدراسية، إذ أنه لا المؤسسة التي درست فيها ولا “الفيلاج” يتوفران على مكتبة للمطالعة.. لكن بالرغم من شدة فرحي لم أكن أظن يومها أن هذه الرواية ستصير رفيقتي لسنوات وأنني سأعيد قراءتها مرات ومرات.. وأنها ستكون المفتاح الذي ولجت به ومن خلاله عالم القراءة..

هذا الطبيب اليوم يمضي حياته بشكل عادي في عيادته، ينتظر التقاعد ويمارس مهنته في تقويم وتجميل وتسكين آلام الأسنان.. ولا يدري عن هذا الأثر ولا يعلمه بل لا يذكرني جزما وربما لو لم تستوطن قلبي تلك الرواية ما كنت أنا أيضا لأذكره.

فانتبهوا جيدا لما تقولونه أو تصنعونه ولا تستقلوه كائنا ما كان.. إذ لا تدرون أي فارق تصنعونه وأي أثر تتركونه.

لا ترفعوا آمالكم في الرواية فربما جزء من حكمي عليها راجع لتعلق شخصي بها ونوستالجيا مزمنة.. وأنا هنا بقولي هذا لا أبخس من قيمة الرواية ، فهي تتحدث عن نفسها وتعد المثال الأول في روسيا للرواية النفسية. نُشرت عام 1840، وتركت أثرها على تولستوي ودوستويفسكي وتشيكوف وغيرهم من كتاب القرن التاسع عشر البارزين.

الشاهد في القصة أنني كلما تذكرت الواقعة إلا وتحسرت على عدد الرفوف الفارغة في قاعات الانتظار، والأماكن والمؤسسات العمومية التي ربما لو وجدت فيها كتب لصنعت الفرق في شخصيات من يترددون على مثل هاته الأمكنة.