عوالمنا الافتراضية التي تكاد تلتهمنا!

189
مخيف جدا ذلك التأثير الذي تمارسه حساباتنا الافتراضية على حياتنا الشخصية، لدرجة أصبحت حياتنا جزءا من عوالمنا الافتراضية وليس العكس. كل الأشياء لا نملك وقتا لها ونؤجل القيام بها كل يوم وربما نتخلى عن فكرة القيام بها في نهاية المطاف، ما عدا تفقد حساباتنا وتحيينها في كل ثانية لرؤية ما جدّ عند معارفنا أو المشاهير الذين لا نفلتُ شيئا من أقوالهم وأفعالهم ومشترياتهم وردودهم على من انتقدهم؛ لتصير موضوعا لنقاشاتنا مع معارفنا في الواقع، وأصبحت كل حياتنا تدور حول هذه العوالم. لا يمكن أن ننكر أنه ما عاد أحد منا يشعر بالوحدة حتى لو جلس لساعات أو أيام طوال لوحده في غرفة معزولة عن العالم، وذلك بفضل هاتفه الذي يربطه بكل شيء فإنه لا وقت له لاحتياج أشخاص حقيقيين يُثرثرون حوله فالرفقة في العوالم الافتراضية ربما تكون أحلى. لذلك صار الهاتف من أكثر الأشياء التي نتعلق بها والتي لا تفارقنا إطلاقا ما عدا في ساعات النوم القليلة، فأول ما نفعله عند الاستيقاظ من النوم هو تفقده لتبدأ بذلك الرحلة التي لا تنتهي إلا لساعات متأخرة من الليل، رحلة تفقد كل الحسابات وتحيين محتوياتها والتلصص على حسابات الآخرين، ولا ننسى الجزء الأهم وهو تفقد محادثاتنا متى تسلمها الآخرون وهل قُرئت وهل هناك رد وإن لم يكن هناك رد فمتى كان آخر اتصال لهم بالشبكة، وكيف كان تفاعل الآخرين مع منشوراتنا من صور ومواعظ و مواقف، ثم ماذا اشترت فلانة وإلى أين ذهب فلان واللائحة طويلة جدا…

بمجرد عدّ كل هذه الأشياء شعرت بالدوار وكأني أحضر جدول أعمال رجل مهم يُسيّر شركة عملاقة في حين أني أحصيتُ جزءا قليلا من نشاطاتنا على حساباتنا والتي، ويا للغرابة، رغم كثرتها وتكرارها طيلة اليوم إلا أنها لا تُرهقنا إطلاقا، وهنا فقط يمكن أن نشعر بقيمة الطاقة والوقت الذَين نضيعهما دون أن ندرك.

لكَم نرهق أنفسنا في سبيل هذه الأشياء وقد نعرِّض حياتنا للخطر ونحن نصر على تتبع كل شيء حتى أثناء القيادة. إن حياتنا الحقيقية أصبحت كمستعمَرة صغيرة لحساباتنا الوهمية التي أصبحت تقرر متى نتناول وجباتنا ومتى نعمل ومتى نخلد للنوم، وهنا أصر على التذكير أننا جيل يعيش نقصا حادا في النوم وهذا ليس بسبب العمل أو الدراسة لأوقات متأخرة بل لعجزنا عن وضع حد لأنشطتنا ومحادثاتنا مقابل الخلود للراحة.
صارت حساباتنا تتحكم بأفعالنا وأذواقنا والأماكن التي سوف نزورها لأن كل هذه الأشياء سوف تُوّثَق بصورة لها ولابد أن تبدو في أبهى حللها، بفضلها طورنا ملَكة المحاكاة في كل شيء وجعلنا لأنفسنا مؤثرين اخترناهم بدون اتفاق ودون أن يخضع هذا الاختيار لشروط مميزة، المهم أنه صار لدينا أشخاص نتتبع كل تفاصيلهم التي لا يترددون في نشرها ونقلدها جميعها: أثاث البيت، الأكلات المحضرة، الملابس ومساحيق التجميل المقتناة، والأماكن التي يُراد السفر إليها وكل شيء حتى أصبحنا نُسَخا سيُعجز عن التفريق بينها في القريب العاجل.
إدراكنا لهذه الأشياء البديهية جدا -والتي لا نُعمل عقولنا قبل اختيارها بل ننقاد إليها بطريقة لا إرادية- يجعلنا نعي مدى خطورتها لأننا في صدد فقدان السيطرة على حياتنا وتسليم زمام الأمور لأجهزة ذكية ستدمرنا عندما يتطور ذكاؤها أكثر. لقد ضِعنا في عالم افتراضي قائم على عُنصري المقارنة والتقليد ولا وجود للحقيقة والمصداقية فيه، وفقدنا المعرفة بأنفسنا وبصمتنا الشخصية في وسط كل ما يتداوله رواد هذه الفضاءات بطريقة مجنونة ستقودنا حتما إلى الهلاك.
لربما لم آت بجديد في كل ما قلتُ سابقا ولكن أصر على تذكير الجميع بضرورة تقنين اتصالنا بهذه العوالم ومحاولة ضبطها لتفادي هدر الكثير من الطاقة والوقت في جدالات فارغة ومحادثات مع أشخاص لن يربطنا الواقع بهم أبدا والتوقف عن محاولة امتلاك واقتناء كل شيء وتقليد كل شيء. صار من الضروري الضغط على زر “التوقف” من حين لآخر وتأمل ما تصير إليه الأمور لمحاولة استرجاع السيطرة على حياتنا. ماذا لو توقفنا في بعض الأحيان عن الانصياع لتلك التحديات التافهة وابتكرنا لأنفسنا تحديات جديدة تهدف إلى ربط الاتصال في الواقع بمعارفنا والاستمتاع بالحياة معهم ولما لا تحديات لتخصيص يوم في الأسبوع أو في الشهر للعائلة، التي صارت ترضى بالفتات فقط لأنها أول ما نضحي به، ولن أذهب أبعد من هذا وأقترح تحديات لقضاء وقت في دور الأطفال المتخلى عنهم والعجزة أو في المستشفيات وكذلك أيام بدون إنترنت مخصصة لنزهات في الطبيعة مليئة بنقاشات حقيقية مع أصدقاء فارقتنا الحياة عنهم منذ زمن وما عاد يربطنا بهم سوى لايكات على الصور المنشورة في الحسابات “الافتراضية”.
من المؤكد أننا لن نفقد شيئا لو قمنا بهذا بل سنتذوق الحياة من جديد كمن يولد للمرة الأولى وسيصبح ممتعا اقتناء كتاب كل مرة ووضعه بجانب السرير ليحتل مكان الهاتف ويستفرد بنا في لحظاتنا المُقدسة التي تسبق النوم، وستكونان أبا وأما رائعين عندما تضعان الأجهزة جانبا وتطفئان التلفاز لتلاعبا أطفالكما وتحكيان لهم حكايات ما قبل النوم، حكايات الجدة الجميلة التي منحت طفولتنا طعما مميزا ولكن للأسف لا يعرف عنها شيئا أطفال هذا الزمن… فك ربط الاتصال بهذه الفضاءات من حين لآخر لن يُكلفنا مجهودا جبارا ولا خسارة فادحة إذا كانت الغاية هي ربط الاتصال في المقابل بذواتنا والغوص في أعماقها لنتعرف عليها أكثر ونتمعن في قرارتنا والمسارات التي نسلكها في حياتنا. هي أشياء بسيطة ولكنها تجعلنا نوثق الصلة بأنفسنا في لحظات استراحة من سفرنا الطويل في فضاءاتنا الوهمية وتمنحنا فرصة لنتذوق الحياة ببساطتها الجميلة والهادئة من حين لآخر مع من نحب دون الحاجة للتصنع وارتداء الأقنعة.