توقف عن الاجتهاد!

550
تشبعت عقولنا بأفكار تدور حول النجاح والتميُّز، وضجت شبكات التواصل بوسائل التحفيز والتشجيع على المثابرة وتتبع الحلم كيفما كان، إلى أن صار كل واحد منا يرى نفسه ذلك البطل المنتظر الذي سيغير العالم، والشاب الطموح الذي سيحقق انتصارات باهرة. ترسخت مثل هذه الأفكار في عقولنا بشكل جذري، حتى أصبحت إيمانا قويا لا شك فيه.

توقف!
ربما لم تسمع أحدا من قبل يدعوك للتوقف عن التفكير أو الحلم، لكنني أدعوك لهذا الأمر وبشدة. يبدو الأمر غريبا بعض الشيء – أن تتوقف عن التفكير والحلم ورفع سقف الأمنيات – لكن، دعنا نشاهد حياتك بعدسة أخرى، مغايرة لتلك التي شَکَّلتها لترى بها الحياة.
أنت تسعى بشكل كبير لنيل شهادة تعليمية، أو ترقية في عملك، أو كسب قدر من المال، أو الزواج أو السفر…أيا كان هدفك، أنت تسعى إليه لدرجةٍ تستنزف فيها طاقتك، وبالرغم من ذلك فإنك راض عن نفسك لأنك أعطيت لوقتك قيمة ولحياتك طعم، وهذا أمر جميل لحد الساعة.
لكن ألا ترى أن في الأمر خللا؟ شكَّلت حياتك على طريقة نفق ومحطات، واحدة تلو الأخرى، لا أمل لك في السعادة إلا باجتياز كل واحدة منها. ورسَمتها مخيلتك بطريقة تتناسب مع المجتمع الذي تعيش فيه لتُسمى ناجحا ومتميزا وتحقق ذاتك، ونسيت أن الحياة أوسع من ذلك النفق الذي سُجنت فيه، وانسياب العمر فيها لا ينبني على محطات.
حتى أبسط تفاصيل حياتك صارت محسوبة وفق خطوات، إذ في كل مرة تريد البحث عن شيء ما وتطرح سؤال كيف؟ تأتيك النتيجة عن طريق خطوات، وتقنع نفسك أن السبيل للنجاح هو اتباع هذه العادات، إلى أن يصبح يومك عبارة عن جدول واضح، كل مهمة في ساعة محددة، حتى الاستمتاع مقنن في ساعة من اليوم إن لم يكن في الأسبوع، وكأنك صرت شخصا رقميا يُطبِّق مايملي عليه المجتمع وهو في نظره يبدع في صنع مستقبله.
توقف!
قد تسير في الطريق بسعادة، وقد تطبق كل حرف مما اقتنعت به، من كتب للقراءة وأماكن للسفر، وبرامج للمشاهدة، وأكلات شهية للتذوق، إلى أن تأتيك لطمة الواقع المفاجئة التي تنبهك وقد تتغافل عنها، أو تجبرك على الخضوع.
توقف!
لقد أقنعوك أنك إنسان القرن الواحد العشرين إذا أضفت شيئا لهذا العالم، ولم تقتصر على الاستهلاك والعيش حياة عادية لشخص عادي يولد ليكبر ثم يلد ثم يموت وها قد استمر النسل البشري. لكنك غضضت الطرف عن كل من دعاك لتعيش عمرك كما عليك أن تعيشه، وأن تستغل الوقت الذي أنت فيه الآن بشكل سليم.
لقد حمَّلت نفسك في أحيان كثيرة ما لا طاقة لها به تحت ذريعة علو الهمة، وعلمت أنك وصلت لمرحلة الإجهاد في مواطن كثيرة وتجاوزتها، ونادتك بمرض بدني أو نفسي لكنك لم تنصت إليها؛ فأنت الشخص الناجح المتميز الذي لا يقهر ولا يرضى لنفسه السقوط أو المرض أو الضعف فيشمت به العدو.
توقف!
يسير الكون وفق نواميس قُدرت من ملايين السنين، وسجل التاريخ خططا واضحة للمنتصرين، لكنك تأخذ انتصار كل واحد منهم وتوهم نفسك على أنك الشخص القادر على جمعها كلها، وفهمت جيدا أن من يريد تغيير العالم يبدأ من نفسه فسعيت نحو اكتساب مهارات تخدم نفسك بها وتطور من إنتاجية يومك، لكن هفوتك الأولى هي أنك تحاول دائما السيطرة على كل تفصيل من حياتك، والتحكم في كل خطوة و” محطة” منها، وتريد أن يسير الزمن وفق المخطط الذي رسمته رغم أنف الجميع.
توقف!
إنك في حالة هلع مزمن مع طريقة حياتك هذه، قد تكون سعيدا لكنك غير راض عن نفسك، إنك لا تؤمن بما يمليه عليك داخلك كما يجب، ولا تنصت إلى ” الصوت في داخلك” كما يجب، ألا ترى أنك تكبر في اتجاه حلمك ولم تلق بالا أن الأطفال قد كبروا في عائلتك والكبار قد شاخوا، وأن كل صديق قد ابتعدت عنه، وأنك إن تمنيت سؤال : ” كيف حالك؟” بالمعنى الحقيقي من شخص واحد فلن تجده؟
ألا ترى أن سفرك كله لم يكن إلا للتمتع بالصخب والتقاط الصور، وأنك ما سافرت يوما سفر خلوة نفس وصفاء ذهن؟ ألا ترى أنك لم تلق بالا لجسمك ونكباته حتى صرت غريق أدوية مسكنة؟ ورياضتك لم تلتزم بها لأنك دائما مشغول، وروحانياتك لم تسع يوما للرقي بها، وأنك تتبع دين الجمهور فقط؟
توقف!
في كبوة النفس هذه حديث عميق: أنت لست ماينعتك الناس به، ولا ما يسبق اسمك في البطاقات، ولا وظيفتك أو دراستك، أنت لست مربعا تقزِّم فيه كيانك، أنت إنسان وإن كنت شخصا بدويا أُمِّيا يعيش للقمة خبزه ورعاية أطفاله، فإنك إنسان و انتهى.
هناك فرق بين السعادة والرضا، عش حياة البسطاء، واتَّبِع انسياب الوقت دون خطوات ولو لفترة، ولا تتبع قافلة الجمهور فأنت هنا وحدك ولم يهتم بك أحد، ولا تستعجل نصيبا أو هدفا أو حتى رزقا، ولا تجعل قناعتك بالكثير. اضرب بعرض الحائط كل ما سمعت وقرأت عن الناجحين، وانظر لنفسك بعين حكيمة عما يزيل الكدر عنها فيوضح لك حقيقتها؛ فمن عرف نفسه عرف الوجود كله.
شاهد رضا طفل بهدية بسيطة ومشاعر جياشة وتعلم. شاهد صفاء ذهن عجوز صيني في لحظات تأمله. شاهد سكينة شيخ كبير وهو يغلق مصحفه في باحة المسجد، شاهد نظرات أم في عيني ابنها. شاهد تفتح زهرة في أول الربيع، أنصت لآخر تغريدة لعصفور في عشه قبل أن يغفو…
تلك التفاصيل العادية التي تجعل من حياتك حياة عادية ولكن بنظرك أنت حياة جميلة.
لا داعي لأن تُجهد نفسك وأنت تحسَب أنك تجتهد، اهتم بنفسك جيدا فهي رفيقك الأول والأخير، وأعطها وقتها الكافي للراحة وتعلم كيف تفصل بين تهذيبها وتعذيبها ولا تستعجل النتائج بل عش جمال الرحلة كلها وإن لم تصل إلى نتيجة فلا تغفل عن سعادة تفاصيلها. تجنب التحكم في كل شيء ولا تسعى إلى توازن بئيس بل أعط لكل عمل نصيبا واسترزق رزق يوم واحد، ولا ترهق نفسك بالمستقبل فليس بيدك أنت تقدير المواقيت.
توقف عن الاجتهاد فقد يكون إجهادا وأنت لا تدري، واسْع نحو سلام ورضا فهذا يكفي!