أضربتُ عن الكلام

509

أضربتُ عن الكلام هكذا كانت البداية قبل سنتين ومائة وثمانية وعشرين يوما بالتحديد، شمس ذابلة قاتم لونها، مرسلة سيوفها نحونا لتغرسها في أنفاسنا، كانت جل الشوارع فارغة وقت بلوغها قلب السماء، ودموع تهطل كحبات الرمل من عيني أمي، فأما عن أبي فإني لم أشهد يوما قد بكى فيه وتنهد مثلما بكى في لحظات الانتظار تلك، ولم أتمنّ قبل ذلك أن يتوقف الزمن ويعود سنينا إلى الوراء كما كنت أشاهد في مسلسلات الكرتون على الشاشة الصغيرة بعد المدرسة، كانت دقائق معدودة من الحزن والألم كنت أستغلها لأستنشق فيها آخر نفحات زكيات من وطني، من التربة التي احتوت قلبي حين نبض لأول مرة.

مرت سويعات ضيقة حتى كنت قد ركبت موج الرحيل لأعبر إلى ما وراء البحار، لقد كانت كفيلة وكافية لتربط شفتاي عن مشاعري، ولأفهم فيها أنني لن أتكلم بعدها، ولن أحس أو تدمع عيني على أرض باردة كحضن الموت.

مقالات مرتبطة

أضربت بعدها عن الكلام، تركت الأحرف والقلم، ورميت بكل ذلك خلفي حيث تركت من كان مستعدا لسماعي، وقراءتي، لأتفاجأ اليوم بأن لساني يخونني، وذاكرتي قد سجنت الصور والأحاسيس وكل ما مررت به في أروقتها لكي لا أتقاسمها مع غيرها، فصارت لغتي وصوتي عدوانا لذكرياتي، حين تركتها بالأمس وقت حاجتها إلي، تركتني اليوم وقد احتجتها، فما عدت قادرة على الكلام حتى مع كل التراكم الذي بداخلي، ورغم أني بحاجة لأن أتكلم وأقول ما لم أقله عن البرد والبعد، عن الشوق والعشق، وعن الموت والحياة، وأصارح من أصبح غريبا عني أن أحزاني تتبع…وأنني أدمنت الصمت والقهوة.

ها أنا اليوم أشرب تلك القهوة باردة في صباح يتيم غيمته كئيبة متفرقة هنا وهناك، أشربها وأنا منسرحة أفكر في العودة المستحيلة، فلقد افتقدت الشاي الذي تحضره أمي، والخبز الذي ما إن أشم رائحته إلا ويدفئني، اشتقت إلى سماع صوت الآذان، والجيران من حولنا يسلمون على بعض بأصواتهم العالية، وصغارهم يصرخون ويلعبون بينهم وسمات السعادة على ملامحهم، اشتقت إلى الأعياد واشتياقي لا ينتهي ولا يتوقف. هكذا حولتني غربتي إلى غريقة مشاعر فياضة مختلطة، أحاول بسببها من حين لآخر أن أكتب أو حتى أهاتف أحدهم ،ثم بعد ذلك أجد نفسي غير قادرة على الكلام بعد صومي الطويل عنه ،أصبح لساني يربكني فأخفق مجددا في الفصح والصفح عن الماضي الجميل الأسير الذي قادني إلى هنا، إلى أرض الناجين.

لقد درست في هذه الشهور المعدودة أهم دروس في حياتي، أفضلها أن أستمر في إضرابي حتى لا أوقظ القلوب النائمة، ولا قلبي البريء الذي إذا أحب أحب بصدق، ليكون ذلك الحب الجرعة الزائدة التي تقتلني في كل مرة، لأعيد الكرة في مرات قادمة ولا أتعلم.