ﺍﻛﺘﺐ، ﻓﻤﻦ ﻳﻜﺘﺐ ﻟﻦ ﻳﻤﻮﺕ

299

الذين كتبوا كتبا أو ألفوا قصصا عن الآخرين وعن ذواتهم لم يختلفوا عنا أبدا في الكثير إنما آمنوا بأنهم يملكون أشياء تستحق أن تروى، تستحق أن يسمع ويقرأ عنها الآخرون وهكذا صاروا كبارا بعد أن سردوا معاناتهم وأفسحوا المجال لآرائهم دون خوف.

أن تكون لك القدرة على الرضا وتقبل الحياة بكل تفاصيلها هو نوع من الشجاعة والفوز، لكن أن تشارك الآخرين آلامك هو تحد آخر لا يجسر عليه كل إنسان لأنك تخاف ردة فعلهم، تخاف أن تصارحهم بمن أنت، تخاف أن لا يتقبلك الأخرون فتغدو وحيدا في عتمتك، تصارع عالمك وفكرة أنك بحت بكل الأمور فلم يعد بينك وبينهم شيء غيرك.

الكتابة كانت خيارا جميلا لكل هؤلاء الذين أرادوا الكلام وبحثوا عن وسيلة يصلون بها إلى عقول الآخرين وقلوبهم ،الذين رغبوا في أن يتخلصوا من أجزاء الذات المتهالكة باللغة والحرف، الذين لا يريدون الموت تأييدا لقولة يوسف زيدان في كتابه عزازيل: “أكتب ياهيبا، فمن يكتب لا يموت”.

بين الكتب يمكن أن تكتشف وتجد الكثير من الأمور التي فاتتك في هاته الأيام التي قضيتها وأن تمضي بين دروب الحياة، لكن الأمر الأكيد هو أنك في مكان ما بين طيات الورق والحروف ستكتشف شخصا، ستلمس إنسانا يصف الألم والسعادة ويصنع للحياة معنى مختلفا عما سواه، وهذا ما يمكن أن تمنحه الكتابة دون أي شيء آخر، الكتابة التي وصفت لنا “مصطفى محمود “، وعرفتنا على ” نجيب محمود”، تركتنا نهيم عشقا ونسمع عن الثورة بين القوافي في كلمات” محمود درويش”، الكتابة التي منحتنا الفرصة أن نسافر من العالم العربي إلى روسيا دون أن نذوق لسعات الجليد مع “دوستويفسكي” وطاقم سفينة الأدب الروسي جميعا، فعلوا كل ما فعلوه بالكتابة والكلمات وظلوا أحياء بها بعد أن ماتوا.

بالكتابة شاركنا الكثيرون حياتهم وآلامهم، تقاسموا معنا سعادتهم ونظرتهم للكون والوجود، وقدموا لنا كل معاني التجربة في أطباق أدبية مختلفة، في تصورات الكثيرين ممن اتخذوا من الحرف صديقا، تعلمنا أن الكتابة لا تأتي من فراغ وأنها لا تأتي مجانا دون تجربة حقيقية ودون تفكير، أن تكتب هذا حدث محقق، لكن متى؟ هنا يكمن دور الحياة لأنها هي التي تدفعنا إلى ذلك ربما في لحظة واحدة.

 

من كتبوا لم ينساهم أحد لأنهم تركوا إرثهم الذي لا ينقضي، لأنهم اختاروا تجارة لا تبور، تجارة نحن كتبنا فلا تنسوا أننا مررنا من هنا يوما وتركنا لكم جميل الأثر.

بينما تقرأ كتابا أو رواية سترى هذا بأم عينيك وستوقنه بكل جوارحك عندما يلج الدفء صدرك أو تحس بأن يدا خفيفة تربت على كتفك بين كلمات نص، ستؤمن بأن الكتابة أنبل شيء في العالم، وأن من خطوا لنا سطرا ظلوا خالدين بيننا ولو غادروا.

إن من ركنوا إلى الكتابة واتخذوها مكانا يتخلصون فيه من أعباء الحياة، وفضاء يشاركون فيه الناس فلسفة عيشهم ومكانا يحتوي أفكارهم لن تذهب بهم الحياة إلى أي مكان غير الذي يوجد به الأمل، وكلما كتبوا ابتعدوا عن الصخب رويدا رويدا إلى حدود الصمت الهادئ.

هكذا هي الكتابة هدوء وخلود بالروح رغم فناء الجسد، ترياق للحد من سموم الدنيا وهمومها، صوت خافت يسري بين كل حرف وحرف، هذا ما دفع الكثيرين أن يكتبوا، وهذا بالطبع ما دفعني أن أكتب عن الكتابة وأذكر قليلا ممن أحبوها قبلي.