أنا وأنت الآن والسنة البيضاء ثالثنا

703

قرأت في بعض الكتب أنك حين تحارب غيرك يجب أن تبحث عنه، وكمواطنة صالحة سأزيح عنك قسطا من التعب، فدعني أخبرك قليلا عن ماذا عانيت حين كنت صامتة. لقد كتب الله ولادتي بين جبالك الأطلسية الصغيرة في ليلة كانت من أقسى الليالي على أمي، لم يكن هناك طبيب بمستوصف قريتنا. توجعت المسكينة كثيرا وطويلا وأخرجتني عمتي بيديها المعقمتين ببعض الماء الساخن، وأنا أرجح كثيرا أن حبلي السري قُطِع بسكين الخضر الحاد.

بسبب تلك الولادة العسيرة، ولدتُ بمرض مزمن في دماغي لازال يُرافقني على مدار الأربع والعشرين سنة الماضية. كلفتُ عائلتي كثيرا لأنني كنت كثيرة المرض، ورغم ذلك حاولت على قدر استطاعتي التفوق في دراستي، غالبا ما كان أساتذتي يطلبون مني الجلوس في آخر الصف كي لا أحجب الرؤية عن الآخرين، كان رأسي كبيرا بعض الشيء وفرض وجوده على جميع المستويات. لكني صرت أحب المقعد الخلفي، وصرت أتطوع للجلوس فيه، فكنت أتمكن من مشاهدة كل شيء، ذاك الذي يأكل خفية وتلك التي تراسل صديقها. ولا تقلق على شعوري يا وطني لأني لم أخربش في حائط القسم ولا حتى نشرت عبارة ممنوع التبول في أسوار مدارسي، لم أسم أستاذا ولا تنابزت بالألقاب، لم أرم قمامة في بيئتك، ولم أكرر أي سنة. كان الأمر أشبه بتقليل فاتورة وجودي. طبقت كل ما درست في التربية على المواطنة بالحرف الواحد، ولم أستوعب أنني سأقف بوجهك هكذا… أنا من أطفال الجبال حيث الجليد والصقيع يطول ثلثي السنة والاحتجاج الوحيد الذي شاركت فيه كان من أجل فلسطين.

مقالات مرتبطة

كنت متفائلة جدا وحريصة على رد الجميل إليك يا وطني و حلمت أن أكون طبيبة لأقدم لك امتناني عن طريق المساعدة في إحدى مجالاتك التي تعاني نقصا كبيرا. التحقتُ بكلية الطب ودق قلبي ثلاث دقات… لن تتخيل كم فرحت عائلتي لذلك لأني أزحت في بلدتي لعنة “الطب لابن الوزير”، فرح و افتخار يدفئ كبريائي ليومنا هذا. لم أستفد من منحة ولا حتى بعض دراهم التفوق لأن هناك من يستحقها أكثر من ابنة موظف تعليم بسيط ووالد لخمس بنات.

مرضي المزمن أخرني أكثر من مرة وإني لأعتذر عن هذا التأخير الخارج عن إرادتي. وكطالبة طب لم يكن لي الحق في الاستفادة من مجانية الاستشفاء لأنك سحبت منا هذه الورقة أيضا، المرضى لا يُعدون وهناك من يستحق ذلك أكثر. لم تدرج فكرة الهجرة والعمل في القطاع الخاص في لائحتي، كل ما في الأمر أني كنتُ أسارع لرد الجميل، حتى المرتب الهزيل كنت راضية به فأنا في الأخير ابنة موظف ومحبة للعمل الحكومي. ولكن هوسك بالمفاجآت مبهر بطريقة غير طبيعية، فقد فاجأتنا بطلبة الطب الخاص أولا وإشراكهم في المباريات العمومية ثانيا وحين طلبت استفسارا وإنصافا هددتني بسنة بيضاء!!
بحق الله في ماذا أخطأت؟ الشعب يكرهنا وأنت تدفعنا للجنون، فوضعتنا في الواجهة بأجسادنا التي أنهكها التعب وقلة التغذية وأكوام من العقاقير… ومع ذلك نتجاوز كل هذا من أجل المصلحة العامة. نتعرض للسب، والشتم، والتهديد، والضرب وأشكال أخرى من العنف لازلنا في طور اكتشافها، وأنت تهددنا بسنة بيضاء! أنت تهدد طفلا أعمى بصور مخيفة يا عزيزي. فنحن نحتاج لسنوات بيضاء حتى ننسى ونغفر، فلا تظن أنك تعاقبنا هكذا.

أدر وجه القسوة والأنانية عني، فقد حاولت كثيرا تجميله بما فيه الكفاية والأمر أصبح مستنزفا لدرجة لا تطاق. فطاعتي واستقامتي لك على مدار هذه السنين كان أمرا متعبا لكنه لم يكن جبنا مني، والآن أنا لا أصرخ وحدي بل برفقتي أصوات من مختلف بقاع أرضك، أنت زرعت فينا التشبت بالأمل والتضحية فلا تحصدهما بطرقة جائرة.

فالنضال جعلني أتأكد أني لم أولد فقط في مكان واحد بل في كل نقطة جغرافية منك، هناك الآلاف مني، بصوت واحد نردد: سنعيد كتابة التاريخ وما لا يأتي بالنضال حتما سيأتي بمزيد من النضال.