فتات من فلسفة الحب

334

صورة مقدسة زائفة تلك التي يتفنن بصنعها العالم عن كلمة الحب، كلمة بسيطة متشعبة تحمل ما فاضت به المعاجم من المعاني. وتستمر عملية برمجة عقلك اللاواعي من خلال إحداث صور ثابتة، وزوايا رؤية محدودة وقصيرة النظر، تبلور هذه الكلمة ذات الحرفين داخل قالب هزلي مائع. فما إن ترى حرفي الحاء والباء مرتبطين ببعض إلا وتسرع السيالة العصبية لتمركز في بصرك اللاواعي الفيلم السينمائي المعتاد: عرض تحتله ألوان وردية وحمراء، مع زخرفة بالورود والبالونات أو ما شابه… وقد يذهب عقلك إلى تصوير شكل هندسي لقلب ثنائي الأبعاد، بمساحة حمراء يتوسطها اسمي ذكر وأنثى، وتخترقها الأسهم وعبارات الغزل.

اعتاد العالم على ترسيخ صورة نمطية عن الحب، وتلفيق اتهامات وعتاب زائفين لكلمة ذنبها الوحيد أنها حوصرت في بيئة تقليدية غير بيئتها، وسجنت بأرض ربما لا تنتمي إليها. أرض قاحلة لا ترى في الحب إلا المظهر والجسد ولا تعترف به إلا بين ثنائية الذكر والأنثى، وقد ينتهي بها المطاف مرسومة مشوهة على أحد جدران الحارة…

بفضل كل هذه المشاهد التهريجية انسلخت كلمة الحب من قيمتها وغايتها، ولا ننفي بذلك تواجدها النقي والجزئي بين الثنائية المزعومة، بيد أن كلمة بهذا الطهر والنقاء لابد وأن لها تجليات وصورا أخرى بعيدا عن هذا الانصهار شبه الكامل في علاقة آدم بحواء…

مقالات مرتبطة

أشعر بالحب كلما ضحكت لي عينا أمي، كلما أسندني أبي على كتفه، كلما مد لي صديقي كفه، وكلما ابتسمت لي امرأة عجوز في الشارع .

أشعر بالحب كلما لاطفت براءة طفل صغير، كلما ألقيت التحية صباحا على معلمي، وكلما رأيت جارتنا تعتني بقطة الشارع.

أشعر بالحب كلما لوحت لي الأشجار بأغصانها لتحييني، وأشعر بالحب كلما اعتراني الشعور بالحب بدون محرك ولا سبب… أستشعر الحب بكل جوارحي كلما انحنيت بجسدي على الأرض وارتقت روحي إلى الله تناجيه، وكلما ألقيت السلام وتلقيت السلام وكلما ساد التسامح والحوار.

أشعر بالحب وأحيي روحي بالحب. ووددت لو أستطيع التعبير عنه ومشاركته دون أن تعجزني عوالق صوره النمطية، ومن غير أن أخال إساءة في الفهم أو مغالطة في المقصد والغاية.

إن فلسفة الحب هي فلسفة الحياة، فلسفة السلام مع الذات أولا، ثم مع باقي الكائنات والموجودات. فلسفة تؤطر شتى أنواع العلاقات، ولا تقتصر فقط على العلاقة بين الذكر والأنثى، بل تتجاوزها إلى ما هو أسمى وتمهد للعطاء وتبادل الطاقات. يقول الصوفي جلال الدين الرومي: ” فالحب يقبع في داخل كل منا منذ اللحظة التي نولد فيها، وينتظر الفرصة التي يظهر فيها منذ تلك اللحظة، يقبع الكون داخل كل إنسان “.