الماضي الذي يسكننا

211

غالبا ما نتوق للماضي الذي لم يقدر لنا العيش فيه، ونتمنى ونحن نستمع لحكايات الأجداد أو ونحن نشاهد فيلما أو نقرأ رواية عن حقبة مضت، أنه لو كان بإمكاننا أن نعيش في تلك المرحلة. وهذا ما يفسر أن أكثر الروايات والأفلام والألعاب نجاحا هي تلك التي تجري أحداثها في تلك العصور. وأنا هنا أتساءل: لم تحرك مشاعرنا هذه الحقب البعيدة في الزمن أكثر من عصرنا الحالي؟

يقول حسين أمين في كتابه “كيمياء السعادة”: “إن جهل الغالبية بالتاريخ يسهل على الناس تزييف الماضي، فلو عدنا إلى الماضي بملابساته الحقيقية بعد تقديسه وتفخيمه لأصابتنا خيبة أمل عظيمة”.
إن ما يفسر حنين الإنسان إلى الماضي الذي لم يوجد فيه هو اعتقاده بتحصيل أكبر قدر من السعادة في الماضي أكثر من حاضره الذي يعيشه. وقد ساهمت في تكوين هذا الشعور الجمعي الحكايات والأفلام التي تصور لنا الحياة الهادئة، والنفوس الطيبة الصافية والترابط الأسري والوجوه الجميلة بلا مساحيق أو عمليات تجميل، فغالبا ما يوصف لنا الزمن القديم بهذا الصفاء وبمثالية منقطعة النظير. فهل كان ذلك الزمن جميلا بالفعل أم أن هناك مبالغة في وصفه؟

إننا أثناء استحضارنا للماضي نتغافل عن مجموعة من الحقائق التي كان من الممكن أن تقلل من رغبتنا في العودة للوراء، فإذا حاولنا رصد بعض مظاهر الحياة في الزمن السابق نجد أننا لو عشنا في تلك الحقبة لم يكن ليكون أمرا عاديا أن ننجو من جلطة قلبية أو من الأوبئة المنتشرة أو الكوارث الطبيعية المفاجئة. كما أن الإسعاف أو الشرطة لم تكن على بعد ضغطة زر من الإنسان ولم تكن هناك هيئات رصد ومنظمات إغاثة ولا مؤسسات تعليمية ولا قوانين تؤطر العلاقة بين الشعوب؛ حيث يغدو الحرب والسلم مرتبطان بتقلبات مزاجية للملوك والحكام آنذاك. لم يكن حينها بالإمكان أن يأتيك الماء إلى منزلك وأنت متكئ وكان من الممكن أن تقضي ربع حياتك في محاولة الوصول إلى بلاد الصين أو الهند نظرا لغياب وسائل النقل المتطورة.

كان الناس يعيشون تجارب ذاتية مختلفة لا تتشابه في ظل غياب من ينقل التجربة للآخرين وفي ظل غياب الوسائل التي توثق تلك التجارب لعدم استطاعة الإنسان توثيق ما يشاهده بعينيه إن اختفى من أمامه. وكان الإنسان ينقطع عمن يحب بالسفر أو بخروجه للحقل وذهابه للصيد.
لو قُدر لنا العيش في الزمن الذي نتوق إليه، ما كنا لنستفيد من كل هذه التطورات التي يعيش بها الإنسان الآن، وهذا يدفعنا للوقوف عند تأثير الثورة التكنولوجية وكيف غيرت مجريات الحياة في عالمنا الحاضر.
تخيلوا معي الكم الهائل من القصص التي كانت ستنتهي قبل أن توجد لو كان الهاتف في الحقب السابقة.

كل هذا وغيره يجعلنا نتخيل العيش في تلك الحقبة، مع كثير من المغامرات التي تحفها مخاطر متعددة شيئا جميلا؛ لأن مصير الإنسان كان معلقا بعوالم غيبية أكثر بكثير مما هو عليه الآن. لأنه رغم التقدم الذي وصل إليه الإنسان والذي أصبحت معه حياة الناس أكثر مرونة إلا أن حياته أصبحت متوقعة ورتيبة ومكررة. فأنماطها واضحة وربما هذا ما يفسر ارتباط الناس بالماضي البعيد ورغبتهم بالعيش فيه كعالم هادئ، على المستوى الخيالي، يَستنجِدُون به ويَفِرُّون إليه من هذا العالم الرتيب.