العلم درجات … كذلك الجامعات

998

من الأمور التي لا بد منها للمرء لكي ينجح ويحافظ على نجاحه في مساره المهني هي التكوين المستمر، والمتابعة الدائمة لكل المستجدات العلمية والتقنية في المجال الذي يتخصص فيه. وهذه الضرورة تتأكد وتغدو أكثر إلحاحا إذا تعلق الأمر بمجال يشهد تطورات هائلة في أوقات زمنية يسيرة كمجال الطب. وقد سبق لي أن خصصت مقالا بكامله لهذا الموضوع، أعني موضوع التكيف مع المستجدات والمتابعة الدائمة لها، وقد نشرته على موقع معاني بعنوان: “ماذا أعدت الجامعات لهذا الزمن من المتغيرات؟”، وتغني الإحالة إليه في هذا المقام من تكرار الأفكار الواردة فيه.

وفي إطار هذا التكوين والمتابعة المستمرة للمستجدات في مجال الجراحة، كنت، قبل أيام، في سفر إلى تركيا من أجل المشاركة في دورة تدريبية دولية في نقل وزع الأعضاء. وسيراً على عادتي في كل الأسفار التي أقوم بها، حرصتُ على أن أنقل لك، عزيزي القارئ، تفاصيل هذه التجربة، فكان هذا المقال.

في الواقع، كان هذا السفر مفاجئا، فقد كنت أبحث عبر الأنترنت، فإذا بي أعثر على إعلان من منظمة تركية وهي فرع لأكبر شبكة تركية لزرع الأعضاء، ومفاد هذا الإعلان أن المنظمة تبحث عن جراحين في إفريقيا لتكوينهم وإطلاعهم على آخر ما وصل إليه العلم في مجال زرع الأعضاء وما يتعلق به من تقنيات حديثة، والتي يجب على كل جراح أن يكون مطلعا عليها، فشاركت فيه، بعد أن تم اختياري ممثلا للجراحين المغاربة. والحقُّ أنها كانت تجربة مفيدة جدا، فضلا عن أنها لم تكن مكلفة؛ إذ تكفلت الجهة المنظمة بكل اللوازم والنفقات، بدءا من التذكرة، مرورا بالإقامة، وانتهاء بالوجبات الغذائية اليومية خلال أيام الدورة.
ولعل أهم ما في هذه التجربة أنها سمحت لي بالوقوف على الأوضاع في الكليات والمستشفيات العمومية في تركيا، خاصة في هذا السياق الزمني الراهن الذي يعيش فيه قطاع الصحة والتكوين في مجال الطب، في المغرب، أزمة خانقة، واحتجاجات متواصلة، نرجو أن تكون نهايتها في مصلحة الطب والصحة العمومية بالمغرب. نعم، يصعب جدا أن يتخلص المرء في مثل هذه المواقف من ميله الطبيعي إلى إقامة مقارنات بين ما يكتشفه في هذا البلد، وبين ما يعرفه ويعيشه في وطنه. وليس في هذا، في اعتقادي، من عيبٍ، بل هو الأصل الذي لا ينبغي غيره؛ إذ لا تحقق الفائدة من هذه الأسفار إلا بهذه المقارنات التي بها يتم الوقوف على مكامن النقص والخلل للتنبيه إليها، وإرشاد المعنيين بإصلاحها إلى جذور الإشكال فيها.

كان من بين الأنشطة التي قمت بها في هذا السفر زيارة جامعة أنقرة وكلية الطب العمومية، كما زرت المستشفى التابع لهما، وقد كان الأساتذة الجامعيون المشرفون على هذه الدورة التدريبية الجراحية، في حقيقة الأمر، في غاية الكرم والأدب، وشاركونا كلَّ ما وصلوا إليه من علم في هذا المجال، دونما أيّ بخل أو تكاسل.
إن عين الزائر لهذه الدولة لا يمكنها أن تخطئ كيف أن الظروف العلمية في هذه الكلية العمومية ملائمة جدا، لكي يَدْرس الطالب في ظروف مريحة ومساعدة، علميا ولوجيستيكيا؛ ففي اليوم الذي زرت فيه الكيلة، كانت الحصة عامة، وكان بإمكان كل طلبة الطب الحضور في حصة تعلم تقنيات جراحية معقدة من طرف أكبر الجراحين الأتراك والأوروبيين.


ليست الغاية، طبعا، أن يفهم الطالب ما يقوم به الجراح، وإنما الغايةُ إزالةُ الغموض الذي يكون لدى الطالب وهو يقدم على اختيار تخصص جراحي معين، وأيضا تقريب المسافة المعرفية بين الأمور النظرية والتطبيقية في مجال الجراحة، وخوضِ نقاشات علمية مع المبرِّزِين من الدكاترة في هذا المجال؛ والأهم من كل ما سبق أن يترسخ لدى الطالب إيمان قوي، وهو لا يزال في البدايات، أنه بإمكانه أن يصبح في المستقبل في مثل مقام هذا الجراح التركي المعروف أو ذاك. وهذه من التقنيات التربوية المعتادة في الدول المتقدمة لإعداد القادة : ‏Autosuggestion and goals visualisation
وتتلخص في وضع صور ذهنية واضحة للأهداف البعيدة، والتي غالبا ما تتصف بكونها مبهمة، وإرسال أفكار إيجابية للعقل الباطن بأنه سيصبح يوما ما كذلك. وهي تقنية تعمل في كثير من الأحيان في التحفيز على الجد والمثابرة، خاصة حين يجد الطالب من أستاذه كل التشجيع والتحفيز والإعجاب بذكائه والتفاعل الإيجابي مع نقاشه وأسئلته. إن مثل هذه التصرفات التي تصدر من الأساتذة قد تبدو بسيطة، بل في غاية البساطة، لكنها، في عمقها وأثرها، كفيلةٌ بأن تصنع من بعض الطلبةِ عباقرةً، يُضرب بهم المثل في النجاح والتفوق في المستقبل.

وفي هذا السياق، أورد الباحث والمفكر عبد الوهاب المسيري قصة جميلة ودالة، تعبر عن هذا المعنى بوضوح، وذلك في كتابه “رحلتي الفكرية”، يقول فيها: “كنت لا أنجح في الدراسة إلا في الدور الثاني، حتى وصلت للمرحلة الثانوية فقال لي مدرس التاريخ: أنت عبقري يا عبد الوهاب! فتغيرت حياتي منذ ذلك اليوم، مع أنني لا أدري هل اكتشفني فعلاً أم أنه كان من باب التشجيع وأنا صدّقته، والمهم أن النتيجة واحدة: فقد تغيرت حياتي منذ أن سمعت تلك الكلمة.”
نعم، كلمة واحدة قد تحيي في الإنسان هذه النوازع؛ نوازع العمل الجاد والبحث عن العبقرية والتميز. ومن أسف شديد، نظامنا التعليمي في جميع مراحله لا يُحسن إلا إقبار المواهب، فكم من طالب طب مغربي، اليوم، تتوفر فيه بوادر عبقرية كامنة، تحتاج لمن يُسهم في إخراجها إلى الوجود، سيتم تحطيمه نفسيا، لا لضعف التشجيع والتحفيز فقط، إذ لم يكن التشجيع جزءا من منظومتنا التعليمية يوماً حتى يُتأسَّف على غيابه في ظرف معين، ولكن، أساساً، بسبب معايشتهم لكل ذلك الضغط النفسي، من تهديد برسوب وبسنة بيضاء ومنظر عسكرة كليات الطب، وطردهم من الأحياء الجامعية، وإيقاف الأساتذة اللذين ساندوا نضال الطلبة، وإيقاف بعض الآباء عن العمل من غير ما جريرة، سوى أنه طالب بحقه في كلية عمومية، تتوفر فيها الشروط العلمية والمنهجية والبيداغوجية اللازمة، وأن لا تهمل لصالح الكليات الخاصة، التي هي بدورها يجب أن تكون موجودة؛ لأنها ستلبي حاجيات فئة من المجتمع المغربي، وستُسهم في تخفيف الاكتظاظ على المؤسسات العمومية، لكن شريطة أن يتوفر لها الأساس القانوني اللازم، والمؤسسات والمعدات المطلوبة، دون تأثير سلبي على مكانة كلية الطب العمومية.

مقالات مرتبطة

وبالعودة إلى سفري إلى تركيا، من أكثر المناظر التي راقت لي وترسخت بذهني، منظر البروفيسور بارانسكي وهو يقوم بعملية جراحية دامت ساعتين ونصف في مدرج الكلية بجامعة أنقرة! كان منظرا رائعا، -ولا يخفى عليك عزيزي القارئ أنني طبيب جراح، وأطرب جدا ويقشعر بدني حين أقف أمام أساطين هذا المجال وخبرائه وأشاهدهم يقومون بهذه العمليات- والبروفيسور بارانسكي من الجراحين المعروفين جدا، على الأقل لدى المتخصصين في الجراحة، وكنت أتابع عمله منذ سنوات، وهو خبير عالمي في عمليات زرع الكبد والكلى والبنكرياس، وله كتاب يعتبر مرجعا علميا أساسيا في هذا المجال.
كان بارانسكي، أثناء قيامه بتلك العملية الجراحية، يضع ميكروفونا صغيرا، وسماعات تسمح له بتفسير كل مراحل العملية، والتي شملت استئصال الكبد والبنكرياس والكلى، كان ذلك كله بطريقة متدرجة ومنهجية متينة، وهو ما يجعل المتابع له لا يكاد يستشعر مضيَّ الوقت؛ وكان بارانسكي يجيب، في الوقت نفسه، عن كل الأسئلة التي يطرحها عليه الأطباء المشاركون في هذا التكوين وكذا الطلبة الحاضرون، ولم يكن يتعامل باستعلاء أو تمييز بين الأسئلة، فكان يعطي لكل سؤال حقه من الأهمية والوقت في الإجابة، سواء أكان السائل طالبا في سنته الأولى أم زميلا له في نفس الدرجة في العلم والتخصص.
كان الحضور هنا في الحرم الجامعي مهيبا، ويعود بك إلى التاريخ المهيب للطب عندما كان الأستاذ الجراح يجري عمليات على الجثث أثناء الدروس في الكليات. ولا بد أن اعترف هنا أنني كنتُ أستثقل جدا استعمال كلمة “الحرم الجامعي”، لكني أجدني أستعملها هنا بكل عفوية وارتياح، لأن المقام فعلا يتسم بالحُرمة والمهابة، فالجامعة منذ أن أُنشِئت كانت مصنعا للعقول التي هي أداة المعرفة والتقدم، والمعرفة سلطة، ولكل سلطة مهابة وحرمة وجلال.

كان هذا، إذن، توثيقا ملخصا لبعض الأحداث التي رافقت هذه التجربة، ولا أريد أن أطيل في نقل كل التفاصيل؛ لأن الكثير منها ذات طبيعة تقنية، لا تهم إلا المتخصصين، وإنما نقلتُ ما له علاقة بظروف التكوين والتدريب وأساليب التدريس التي تهم كل شخص، مهتم بقضية التقدم والتطور في هذا البلد، ولا يجادل عاقل في كون التعليم هو الوسيلة الأساس لتحقيق هذا الهدف. والذي أريد التركيز عليه في هذا المقال هو المستفاد من هذه التجربة؛ لأن الأحداث بطبيعتها فانية بمجرد حدوثها، وإنما تبقى العبرة والرسالة، وسأحاول أن أنبه إلى مجموعة أمور خلُصتُ إليها من هذه التجربة، أعتبرها مفيدة، وتكتسي أهمية قصوى، من شأنها أن تفيدك عزيزي القارئ.

إننا في المغرب، عادة، ما نُوجه تركيزنا إلى بعض الدول التقليدية، سواء في السفر أو الدراسة أو الاستيراد، وعلى رأس هذه الدول الجمهورية الفرنسية. وقد آن الأوان أن نصرف اهتمامنا إلى دول أخرى، سائرة في طريق التقدم، وتحقق نتائج متصاعدة في جميع المجالات، وهي دول مجتهدة، تؤمن بحظوظها وقدرتها على الانعتاق من أسر التبعية التقنية والاقتصادية للدول العظمى، كتركيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا وسنغافورة وغيرها، وهي دول لا نهتم بها كثيرا، للأسف، نحن المغاربة؛ تركيزنا كله منصب على الدول العظمى التقليدية، والتي لا تقدم لنا من الفرص ما تقدمه هذه الدول الصاعدة.
ورسالتي التي أروم إيصالها في هذا المقام هي أن المغاربة، وخاصة الشباب منهم، عليهم أن لا يملوا من البحث عن الفرص وعن المنح التي تقدمها حكومات مثل هذه الدول؛ لأن ظروفها وإمكاناتها العلمية والاقتصادية تقترب إلى حد كبير من الدول الكبرى، بالإضافة إلى أنها تتميز بوجود وسط اجتماعي يُشبه ويقترب كثيرا من أوساطنا الاجتماعية في بلداننا، كما أنها تعرف نسبةً من العنصرية هي أقل بكثير من تلك التي تعرفها الدول العظمى كألمانيا وأمريكا على سبيل المثال.
ومن الطبيعي أن هذه الفرص ليست مطروحة على جنبات الطريق، بحيث يعثر عليها كل من هب ودب، بل لا بد من الإلحاح والإصرار والبحث المستمر؛ ومعنى هذا أننا عوض تضييع أوقاتنا وأعمارنا في الأنترنت على مواقع التواصل الاجتماعي، ومشاهدة المقاطع التافهة، وتتبع أخبار الناس وعوراتهم، يجب أن نوَجه هذا الجهد ونستثمر هذا الوقت في شيء يعود علينا بالنفع، وهو البحث عن الأخبار النافعة والإعلانات المفيدة، وما أكثرَها لِمن صحّ منه العزمُ في البحثِ عنها.

والرسالة الثانية التي أروم إيصالها هنا تتعلق بالسياق الاحتجاجي الذي يعرفه مجال الطب عندنا في المغرب هذه الأيام، فكما أصبح معلوما لدى الجميع، هناك أزمة حارقة، حاليا، في مجال الصحة العمومية بالمغرب، وعوض التخطيط الجدي للخروج من هذه الوضعية تم الترخيص لإنشاء كليات خاصة للطب، من دون أي تفكير في عواقب هذا القرار، ومن غير تهيئة هذه المؤسسات الخصوصية التي سيتلقى فيها هؤلاء الطلبة تكويناتهم، وهو ما اضطر الوزارة الوصية إلى فتح المستشفيات العمومية لهم، الأمر الذي أغضب طلبة كليات الطب العمومية، وخرجوا للإضراب وهم الآن على مشارف سنة بيضاء.
طبعا، من الواضح أن المغرب ليس دولة شيوعية حتى يحارب القطاع الخاص، بل لا توجد دولة اليوم تجرم القطاعات الخاصة، وتخوِّن من أراد أن يلج هذا القطاع مستثمرا وباحثا عن الربح بمقتضى القوانين المعمول بها. ولا شك أن المغرب في حاجة إلى مستشفيات خاصة وكليات خاصة لكي تسد الخصاص في الطاقم الطبي الذي يعاني منه القطاعان، وتنويع الخدمات الصحية بتنويع النسيج الاجتماعي للمواطنين المغاربة، وهذا من شأنه أن يُسهم في تحسين مستوى الصحة بالمغرب عموما. فلا ينبغي، إذن، أن يحملنا الدفاع عن كليات الطب العمومية على رفض وجود هذه الكليات الخاصة، وإنما الذي يجب أن يُرفض هو الوجود الذي يكون على حساب الكلية العمومية وعلى جودة التكوين فيها.
إن إنشاء كليات خاصة كان يجب أن يكون على وَفق شروطه، ذلك إن إتيان البيوت لا يكون إلا من أبوابها، وليس عبر حلول ترقيعية متسرعة، وقرارات غير مفكر فيها. ولذلك أعتقد أن علينا الاستفادة من تجارب الدول التي تفوقنا في هذا المجال، وتُشبه ظروفها ظروفنا إلى حد بعيد، فالزائر لتركيا على سبيل المثال، سيكتشف كيف أن الجامعات العمومية والمستشفيات العمومية متطورة جدا، مع أنها تعتمد النظامين معا العام والخاص. لكن وجود القطاع وتشجيع الاستثمار فيه لا يكون على حساب القطاع العام، فالكلية الخاصة التي تحتل الرتبة الأولى في الطب بين الكليات الخاصة في تركيا تابعة لجامعة بيلكنت Bilkent Üniversitesi، ولكنها في المرتبة الثامنة على مستوى البلد، أي أنها تأتي بعد سبع جامعات عمومية أكثر جودة وتميزا وتفوقا.

وتركيا، اليوم، على مشارف الانضمام للاتحاد الأوروبي، ولا شك أنها أفضل بدرجاتٍ من الكثير من دول الاتحاد الأوروبي في عمليات زراعة الأعضاء مثلا، في حين أننا في المغرب فشلنا في زراعة الكثير من الأعضاء، كزراعة البنكرياس والمعي الدقيق، وهي عمليات لا يتم إجراؤها في المغرب إلى حد ساعة كتابة هذه الأسطر، كما أن محاولات زراعة الكبد لا تزال في بداياتها، بينما نجد أن تركيا قطعت أشواطا طويلة جدا في هذا الباب.
طبعا، السؤال الدائم الذي يطرحه كل واحد منا، حين يقف على مثل هذه الفوارق هو: لماذا نجحوا في ذلك وفشلنا؟ ما الذي يبرر وجود هذه الفوارق بهذه الحدة؟
وبعد طول تفكير، لا تجد إجابة أكثر عقلانية ومقبولية من سوء تدبير المنظومة، والخلط بين القطاعين: العام والخاص. وهي مشاكل تستنزف الكثير من الوقت، والكثير من الجهد والطاقة. وتجعل الطلبة في حالة إحباط عامة، مع غياب رؤية واضحة لمستقبلهم المهني المتوقع في هذا البلد. وهذا كله بلا شك يؤثر سلبا على مسار البحث العلمي والتكوين المستمر، ومدى قابلية الإنسان للتضحية والتفاني في العمل من أجل بلده، وفي ظل هذه الظروف، يغدو كل واحد متهمما لمصلحته الشخصية فقط.
والرسالة الأخيرة أخصصها لضرورة الاستثمار في العنصر البشري والرأسمال اللامادي؛ إنه من المهم أن تكون لدينا بنيات تحتية متقدمة، وأن تكون المرافق والمؤسسات من حيث هيكلتها المعمارية والمادية متطورة، لكن ذلك كله ليس ذاَ قيمة ما لم يكن العنصر البشري الذي يشتغل فيها في أعلى مستويات الكفاءة والجودة. إن تراجع مستوى الصحة العمومية بالمغرب من بين أسبابه أنه غير مدر للربح، ولذلك تم الاتجاه إلى إنشاء كليات خاصة، ووجود هذه الكليات الخاصة من حيث هو أمرٌ جيد وإيجابي جدا، غير أنه لا ينبغي أن يؤدي إلى ترحيل الكفاءات الموجودة حاليا في كليات الطب العمومية إلى هذه الكليات الخاصة، ونتيجة لذلك سيصير المتخرج مستقبلا من كلية خاصة أكثرَ كفاءةَ، وأحسنَ سمعةً، من الذي يتخرج من الكلية العمومية، لأنه تكوينا أفضل على يد كفاءات أفضل، وبالتالي سيتم القضاء على التكوين في المؤسسات العمومية.
والسؤال الملح هنا لماذا نحن لا نستثمر في العنصر البشري؟ لماذا لا نعتبر أن وجود أطباء في أعلى مستوى من الكفاءة في كلية عمومية وفي مستشفى عمومي ربحٌ مهم؟

إن العقلية الاستثمارية التي تسيطر على صناع القرار في هذا البلد يبدو أنها قصيرة جدا، ذلك أنهم، على ما يبدو، لا ينظرون إلا إلى المدى القريب. وطبيعة الاستثمار في العنصر أنه لا تظهر ثمرته إلا في المدى البعيد، ولذلك يفضلون دائما الحلول السهلة، وإن كانت ثمرتها العاجلة بخسة، وعواقبها الآجلة وخيمة. فالمؤسسات الخاصة بإمكانها أن توفر الربح المادي على المدى القريب، ولكن إذا كان وجودها على حساب كليات الطب العمومية، فإنها على المدى الطويل ستقضي على فرص الكثير من المواطنين أبناء الشعب المغربي الذين لن يستطيعوا الولوج إلى هذه المؤسسات المكلفة، ومن تم ستخسر الدولة ومعها المجتمع كفاءات كثيرة، لا لشيء إلا لأنها لا تقدر على تغطية النفقات التي تتطلبها الدراسة في هذه المؤسسات.
وختاما فإنني آمل أن ينفتح طلابنا على العالَم من حولهم، وأن يستثمروا في وفرة المعلومة التي يتميز بها هذا العصر الذي نعيشه، وأن يوجهوا عنايتهم إلى ما ينفعهم على المستوى الشخصي، ويعود على وطنهم بالنفع العام، وهذا يتأتى بالبحث الدائم عن الاستثمار في ذواتهم ومحاولة الوصول بها إلى أعلى درجات الكفاءة في أي مجال ينتمون إليه، في الطب أو غيره. وآمل كذلك أن لا تؤثر الأحداث الأخيرة على إخوتنا في كليات الطب، وأن لا تؤديَ إلى إفقادهم الثقةَ في المستقبل، وفي تثبيط هممهم على الجد والدراسة، بل أن تكون هذه الأحداث عوامل إيجابية للتحدي والإصرار على النجاح والتفوق. وأرجو كذلك، بعد كل ذلك الأخذ والرد بين الطلبة والوزارة الوصية على القطاع، أن تكون العاقبة خيرا، بما فيه مصلحة الطلبة ومصلحة الصحة العمومية بالمغرب؛ وإلى الله عاقبة الأمور.