حول ماهية الموسيقى!

170

نَعْرِف بأن الموسيقى عابرة للقارات، فهي لغة العالم، يمكن أن يتواصل بها أصحاب الجنسيات والثقافات واللغات المختلفة، وإلى جانب كل هذا، فهي تجسيد للتنوع الثقافي الذي يحظى به العالم، فالاختلاف في الأذواق والأشكال الموسيقية يؤكد قاعدة الغنى الثقافي الناتج عن التنوع. لكن، ما هي الموسيقى؟ هل هي بالبساطة التي نعتقد ونتصور! أم أن الأمر يتجاوز ذلك كله؟! وهل هي لغز إنساني تحتاج لمن ينقِّب عن حل له! أم أنها قاعدة إنسانية مُسَلَّمَة، تسترعي الانطلاق منها لفهم مواضيع أخرى لا محاولة فهمها؟

يصعب أن نعثر على شخص لا يحب سماع الموسيقى، وإن وُجِدَ فسبب امتناعه عن ذلك غالبا مايكون هو هيمنة نوع موسيقي معين لا يروقه! فالموسيقى اليوم هي شريك أساسي في حياة الأفراد، بل منا من يستيقظ على أنغام موسيقية، ثم لا يطيب نومه إلا على نغمات موسيقية عذبة، مما يؤكد عمق التوغل الذي تشغله الموسيقى في حياة الإنسان عموما. لكن، هل كل من يسمع الموسيقى يفقه حقا إلى ماذا يسمع؟ لا أقصد هنا النوع الذي يفضّل، فقد يعطينا
تعريفا له إذا ما سألناه، لكن الحديث هنا عن ماهية الموسيقى!

يَعْرِف الدارسون جيدا أن كلمة “موسيقى” ليست هي الكلمة التي كانت توصف بها “الممارسة الموسيقية”، إضافة إلى أن الكلمة لا وجود لها في القواميس العربية، فهي كلمة ارتبطت بالفترة اليونانية؛ حيث كان لفظ “موس” لفظا خاصا بالآلهة قبل أن يسمى “موس-يقى” كل مايرتبط باللحن والإيقاع والكلام المُغنى.

ورجوعا إلى أصل “الموسيقى”، فالراجح أنها تشكلت من الأصوات التي آلف الإنسان سماعها من الطبيعة؛ كأصوات الحيوانات والكوارث الطبيعية والأصوات التي يصدرها الإنسان كصوت الضحك والصُّراخ وأصوات أخرى، كما يقول “أرتو كاروبيي”: “وقد رافق خلق العالم، بأية طريقة كانت، ذلك الشيء الذي نسميه حركة، وتكوّن منه الصوت كنتيجة، لربما كان هذا سبب ذلك الاهتمام الذي يبديه الإنسان البدائي بالموسيقى-السحر، وغالبا ما ترتبط الموسيقى عندهم بتجسيد الحياة والموت، عبر التاريخ وبكل الأشكال الممكنة التي ظهرت بها، احتفظت الموسيقى بهذا التحديد المبهم الذي تميزت به منذ نشأتها”. هكذا اكتشف الإنسان في البداية الجانب المبهم من الصوت الذي يؤثث الطبيعة ثم حاول اكتشافه، قبل أن يجد نفسه منتجا ومطورا له، عبر ابتكار الآلات الموسيقية، والتي كانت في بدايتها محاكية للإنسان، فأول آلة كانت هي “القصبة-قصبة الناي” التي تحاكي القصبة الصوتية للإنسان، ثم تلا ذلك ابتكار آلات أخرى نتيجة اكتشافه للإيقاع، كالطبل والآلات التي تحاكيه، إلى أن وصل للآلات الوترية التي انطلق لصنعها من شكل القوس-النبل الذي كان يستعمل في الصيد، فاستغله الإنسان كشكل أولي لآلة الكمان !

مقالات مرتبطة

وعموما، فإن محاولة الإنسان في الانفتاح على ما تحتويه الطبيعة كان أساسا في تطور علم سيسمى فيما بعد “موسيقى”، يقول “نضال محمود نصيرات” في هذا السياق: “وقد عدَّ المفكرون والفلاسفة الموسيقى عنصرا من عناصر فهمهم للكون بأسره منذ نشأتها إلى ما وصلت عليه، فنشأت الموسيقى في مجرى حياة الإنسان الاجتماعية البدائية على هيئة أصوات منتقاة من الطبيعة، تداولها الإنسان بالتدرج في مجرى نشاطه الاجتماعي، فاتسمت حياته بالتبدل المستمر، نتيجة تفاعلاته وعلاقته بالطبيعة والمجتمع”.

ثم تطورت الموسيقى بتطور مستوى فهم الإنسان لمجاله وابتكاره للتقنية، واستفادت كما علومَ أخرى من أخطاء الإنسان، كي تصنع لنفسها منهجا واضحا ومستقلا، وعرَّجت على مراحل تاريخية كثيرة من تاريخ الحضارة الإنسانية؛ كالحضارة المصرية-الفرعونية والحضارة الإغريقية والحضارة العربية الإسلامية بمراحلها. ونُشير هنا بشكل سريع إلى مرحلة من مراحلة الحضارة العربية الإسلامية، وهي المرحلة التي تمتد بين 842م و847م، أي مرحلة حكم الواثق بالله، “الذي كان موسيقيا بارعا، ومغنيا فذَّا؛ حيث لقي الفن وخصوصا الموسيقى والغناء من التشجيع والتكريم ما يجعل المرء يظن أن بلاط الخليفة ومقره قد تحول إلى معهد للموسيقى بدلا من كونه مجلسا لأمير المؤمنين”، وهي فترة تسترعي الاهتمام بشكل كبير، خصوصا بحضور الجدل الكبير في جواز الموسيقى في السياق الإسلامي بالخصوص، فكثير من الآراء الدينية اليوم، أو تأويلاتها على الأقل، تذهب إلى عدم جواز الموسيقى بل منهم من يذهب حد التحريم، خصوصا مع تنامي الأشكال الموسيقية المختلفة وضخم صناعتها.

وإضافة إلى ما ذكرناه، نشير إلى كتاب “الموسيقى الكبير” “للفارابي” و”الأغاني” للأصفهاني”، ورسالة “الهندي” في خبر تأليف الألحان..وكلها أمور تُعيد لنا غرابة التنافر الموجود بين الموسيقى والدين، وتؤكد لنا على أن الأمر لا يعود إلى أنطولوجية دينية، أي لا يعود إلى أصل الدين، وإنما يرتبط بتطورات مرحلية ساهمت في بروز وصناعة تلك الفكرة!

وعموما، فالموسيقى، وخلال زمن تطورها، لم تعرف شكلا موسيقيا وحيدا، بل تنوعت بتنوع أنتروبولوجية الإنسان، وهو التنوع الذي يجد تطورا وتجددا في السياقات المتجددة التي تعرفها الحضارات الإنسانية باستمرار، في سياق الإنسانية بظرفيات معينة، هو أيضا ما ساهم في تداخل هذه الأبعاد التي تساهم في صناعة الأنواع الموسيقية المتداولة في نفس الفترة، وهي عملية معقدة جدا، بنفس التعقيد الذي يشكِّل به “الذوق” الإنساني..

فكيف إذن يتشكل ذوق الإنسان!