علم المستقبل…ضرورة كونية أهملها المسلمون

105

الإنسان الناجح هو الذي يعرف طريقه بشكل دقيق، وتكون لديه رؤية واضحة عن وضعه الحالي، وعن كيفية الاستفادة من أخطائه في الماضي، وهذا ينطبق أيضا على الأمم، فلا يمكن لأمة أن تحقق تقدما حضاريا دون أن تكون لها رؤية واضحة عن مستقبلها كيف سيكون. فما هو علم المستقبل؟ وما فائدته لنا كمسلمين؟

يمكن أن نعرف علم المستقبل على أنه التكهن الممنهج للمستقبل عن طريق دراسة الماضي ونتاج الحاضر والظواهر والبدائل الممكنة، فهو علم حديث يعتمد أحدث المعطيات الاقتصادية والعلوم المتطورة والتقنيات المتقدمة لتصور ما يكون عليه العالم بعد عقد أو عقدين.

كانت بداية ظهور ما يسمى بالدراسات المستقبلية في النصف الثاني من القرن 20م، وقد تزايد الاهتمام بها حتى أنشئت لها معاهد ومؤسسات علمية، في حين أن هذا النوع من الدراسات تأخر ظهوره في العالم الإسلامي إلى حين أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وقد بدأ إخضاع المستقبل للبحث العلمي والمنهجي بفضل جهود مؤسسة عسكرية أمريكية اسمها (راند)، ومنذ ذلك التاريخ كثرت البحوث المستقبلية وانتشرت و ظهر خبراء كثر يهتمون بهذا المجال، وتأسست مئات المراكز والهيئات والمؤسسات التي جعلت من المستقبل مجال دراسة.

تعرف الدراسات المستقبلية أنماطا مختلفة للبحث، أهمها: النمط الحدسي، والنمط المعياري، والنمط الاستطلاعي، ونمط الأنساق الكلية، وهو أكثرها تطورا وتعقيدا، أما طرق الاستشراف المعتمدة أذكر منها: طريقة دلفي، وطريقة السيناريوهات، وطريقة النموذج، وطريقة الاستكمال الخارجي.

من أهم مبادئ علم المستقبليات أن المجال الذي يمكن للإنسان أن يؤثر فيه هو بالأساس: المستقبل، ولهذا يطرح العالم المستقبلي المهدي المنجرة مفهوم: “استعمار المستقبل” حيث يقول: “إن العالم الإسلامي، إذا لم يخطط لمستقبله، فإنه يوشك أن يستعمر بدوره، كما استُعمر ماضيه و حاضرُه، فالأمة التي لا تخطط يُخطَّط لها.”

من الأمور التي اتفق عليها العقلاء أن الحياة محكومة بسنن وقوانين إلهية لا تتغير ولا تتبدل، وهي تمثل إرادة الله في الكون حيث قال عز وجل: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلً}، لذلك فإن من أهم مصادر معرفة هذه السنن وإدراك اطّرادها إنما هو فهم الماضي، والتوغل في التاريخ وتحليل أحداثه، والوصول إلى القوانين التي حكمته وحركته، وهذه السنن لا تحابي أحدا فلن ينجُ من الغرق إلا السباح الماهر، لذلك فمن خصائص ختم النبوة أن الأسباب ربطت بالمسببات، فلا وجود لخرق السنن الكونية ولا للأحلام المثالية، لذا من زرع حصد ومن لم يزرع، حصده الزمان.

هل يعتبر علم المستقبل رجما بالغيب؟! معلوم أن الغيب وفق الشريعة الإسلامية لا يعلمه إلا الله، فهو كل شيء لا تدركه الحواس ولا يعلم بالتجربة أو بالقياس والحساب، فبعض الموجودات لا تُرى ولكن تُحس آثارها مثلا، ومنها ما يقع في المستقبل، ومع ذلك نعرفه كفصول السنة وحصول الكشوف والخسوف وأحوال الطقس.
إن دراسة المستقبل لا تعني رؤيته بصورة محددة ودقيقة، فهذا مما استأثر الله بعلمه، ولكنها تهدف إلى تقديم احتمالات مشروطة يستفيد منها الإنسان كأن يستعد للبرد أو الغلاء، وفي هذا السياق يرى الدكتور المنجرة أن هناك فرقا شاسعا بين الغيب الذي هو من علم علام الغيوب سبحانه وحده، وبين مفهوم المستقبل كما يوظفه الخبراء في مجال الدراسات المستقبلية، فمفهوم المستقبل حسب هؤلاء انعكاس على الزمن لآثار ونتائج عملنا أو عدم عملنا اليوم، وواضح من مضمونه ونتائجه أن الأمر لا يتعلق بنبوءة. أمثلة على عناية الإسلام بالدراسات المستقبلية:

ومما يدل على أن استشراف المستقبل من صميم المنهج الإسلامي ما وقع أول البعثة عندما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى ورقة بن نوفل وأخبره بما وقع له، فقال له: (هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، ياليتني فيك جَذْعا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله: أَوَمُخرِجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودِي). والشاهد هنا أن ورقة استدل بالسنن الكونية التي لا محيد عنها على أن خاتم الأنبياء سيلقى معارضة من قريش وهو ليس نبيا لكي يعلم الغيب.

إن التاريخ الذي يطلق عليه أب العلوم الاجتماعية هو الماضي، وإن استشرافه والتعرف على قوانين حركته هو الذي يحقق لنا العبرة، ويؤهلنا للعبور إلى الحاضر والمرور إلى المستقبل: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}، فالعبور والاعتبار إنما هو نوع من المقايسة والمقارنة والبصيرة والقدرة على رؤية المستقبل، من خلال ما يمنح الماضي من معرفة هذه السنن، فلا يمكن إبصار المستقبل أو رؤيته إلا من خلال كشف المنهج السنني لحركة الحياة والأحياء.

إن الأمة الإسلامية اليوم تسير نحو المجهول، فهي غارقة في الصراع الطائفي الذي يعمق هوة التخلف، وهي أيضا لا تستفيد من أخطاء الماضي، بل يسعى البعض إلى استنساخ نفس الأخطاء على الرغم من الجرح الغائر الذي أحدتثه في جسد الأمة، فيسعنا أن نقول: أنه لا فقه ولا حياة منتجة دون استصحاب أبعاد الزمن الثلاثة: الماضي، والحاضر والمستقبل، وإن إسقاط أي بعد من هذه الأبعاد، التي تحكم حياة الإنسان عن ساحة النظر والتفكير سوف يشكل انهداما واختلالا في مسيرة الحياة، وانحشارا في زمرة من وصفهم الباري بقوله: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ}.

أضحت دراسة المستقبل اليوم مسألة حتمية يفرضها التطور السريع الذي نعيشه في عالمنا اليوم، هذا العالم الذي لا يعترف إلا بالقوي، ومن هنا كان الأخذ بالأسباب من عوامل قيام الحضارات والتخلف عنه من عوامل سقوطها.