الزواج…قرار القلب أم العقل؟

362

من ينظر إلى الواقع الأسري في المجتمعات حاليا باختلاف أعراقها وثقافاتها، وماتكدست به المحاكم الأسرية من ملفات الطلاق، وكذلك ماتعانيه كثير من الأسر من جفاء الأزواج وصراع دائم ناتج عن تفاوت تفكيرهم واختلاف نظرتهم للحياة وماينتج عن ذلك من مشاكل لدى الأبناء، يستصعب أمر الزواج كثيرا خاصة المقبلين عليه… فلم يرجع ذلك؟ للعاطفة أم العقل؟ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً” ( سورة الروم: 21)، فبدون الرحمة والمودة لا يمكن الحديث عن الزواج، ذلك الرباط المقدس والميثاق الغليظ الذي يستوجب اتحادا وترابطا بين الرجل والمرأة على جميع المستويات سواء الديني، أو الفكري، أو الجسدي، أو العاطفي ليشكل بذلك كيانا واحدا يستمد طاقته وقوته من المودة والرحمة اللتين تحملان في طياتهما التقدير والاحترام المتبادلين، لتتشكل بذلك البيئة السليمة لتربية ثمرة هذا الاتحاد في ظل أسرة متماسكة ألا وهي “الطفل”.

أين نحن من هذا كله؟ هل أصبح لدينا أهداف أخرى تقرر مصير هذه المؤسسة؟ وهل هي الغريزة التي تدفعنا للزواج أم الشوق لذلك الإتحاد ما يحركنا للبحث عن شريك الحياة؟ هل الحب مايضمن ديمومة الزواج أم أن للعقل حديثا آخر؟

الزواج سنة الحياة وبالتالي وجب وضع الأساس السليم له. وهذا الأساس لا يعتمد على العاطفة دون العقل ولا العقل دون العاطفة، فالقلب لا يستطيع أن يحسم الأمر بمعزل عن العقل. حين تعيش الفتاة أو الشاب قصة حب قبل الزواج فإنها تكون مليئة بالأحاسيس والعواطف التي تظهر فيها كل معاني الإعجاب بالطرف الآخر، فالقلب يدق لكن العقل غافل تماما عن دراسة شخصية الطرف الآخر، لتظهر بعد الزواج العيوب لدى كليهما وتسقط الأقنعة. في هذه الحالة يبدأ المنطق في أداء دوره مفكرا ومعيدا النظر في الأمر ليرى أن الحياة تحولت لجحيم لا يطاق، أما من يفضل الزواج التقليدي القائم على مستوى التوافق المادي والإجتماعي وغيرها من الأمور فيختار شريكة حياته التي رسمها بعقله دون مراعاة للمشاعر والعواطف، بعد الزواج يجد أنه حقق جانبا من جوانب الحياة الزوجية غاضا النظر على الجانب المعنوي، فتبدأ بذلك رحلة البحث عنه.

لا يمكن التسليم أن زواج القلب أنجح من زواج العقل أو العكس واعتبار ذلك حقيقة مؤكدة لأن كلاهما قابلان للفشل أو النجاح. فالأمر متوقف على مقومات هامة يجب توافرها في الزوجين ليستمر الزواج. فالحب وحده ليس كافيا، كما هو الأمر بالنسبة للعقل، لخلق التراحم والود. فيفشل زواج العقل بسبب انعدام الحميمية والألفة وقد يفشل زواج القلب بسبب غياب الفكر المتزن.

من جهة أخرى هناك من يتزوج لإشباع رغباته حلالا طيبا أو لإشباع غريزة أبوته أو أمومتها. والأفظع من ذلك تلك التي تلقي بنفسها إلى التهلكة لكي لا تُنعت بالعانس وتعيش حياة مظلمة تعيسة في مجتمع معاق فكريا فأعاق فكرها هي أيضا.

الزواج لا يحتاج عمرا بل يحتاج قرارا صحيحا وإحساسا مريحا. فكل واحد منا مسؤول عنه لأنه قرار مصيري يغير مجرى الحياة فيصعد بنا لأعلى المراتب أو يلقي بنا في شباك الذل والهوان. واتخاذ قرار كهذا لا ينبثق من رغبات وشهوات مؤقتة ولا عن نوايا معجونة بالخبث والأنانية لذلك وجب على الرجل أو المرأة اعتماد القلب والعقل معا. فالقلب مصدر الحب والرحمة، والعقل منبع الحكمة. والميثاق الغليظ بحاجة لكليهما لضمان سيرورته.

وبكوني فتاة تبلغ من العمر 25 سنة، فإن البعض يرى فيّ عروسا وربما يراني البعض الآخر عانسا. إلا أني قد قررت ألا أتزوج إلا حين أجد رجلا يرتاح له كياني كله لأن الزواج ليس مجرد ثوب سأرميه في ختام المسرحية. الحب الذي لا يرحمني ليس حبا بل شقاء من نوع آخر يحميه المجتمع ببطانة سميكة ويصم أذنيه عن عيوبه بتصفيق حاد لمن انضم إلى زمرة المتزوجين، ولو نُزِعت الأقنعة لوجدنا نصف المتزوجين تعساء لسوء الاختيار ولتسرع القرار. أؤمن أني لن أزهر في سن معين بل سأزهر مع رجل اجتمع عقلي وقلبي معا في اختياره، رجل بكل ما في الكلمة من معنى، سيكون ذراعي الواقي ضد كل ماهو خارجي ومؤذ، وسأكون ذرعه الداخلي من تقلبات روحه على جسده، سأحمل عنه الكثير فيكفيني أن يأخذ ما يحزنني على محمل الجد. يؤذيه غيابي ويقرأ كلماتي بقلبه ويستشعر ألمي. يخاف علي من أثر كلماته وينظر إلي كأنني أغلى ما يملك، لأن كلا منا اختار الآخر بعقله وقلبه. لا تتزوجوا من أجل الزواج فقط، لا تستعجلوا فالتأني في الإختيار سلامة.