الشخصية الحساسة جميلة…و لكن!!

323

في مطلع العشرينيات من عمري، بدأت الخوض في رحلة البحث عن نفسي إذ كانت تدور ببالي مجموعة من الأسئلة التي تستفسر جلها عن ماهيتي وطريقة تفكيري وميكانيزمات ردود أفعالي. كنت أشعر آنذاك بشيء غير متوازن بداخلي، وهذا ما دفعني إلى التأمل والتفكير مليا في كيفية معالجة الأحداث والتعامل معها ومع نفسي ومع المحيط الخارجي.

أخيرا اكتشفت أنني أمتلك شخصية لا يمثل أصحابها إلا خمسة عشر في المئة من سكان العالم. أولئك الذين يعانون كثيرا بسبب إحساسهم الزائد والمرهف، إنهم الأشخاص الحساسون للغاية les personnes hypersensibles.

يُعرف الأشخاص الحساسون بعمق الشعور والعاطفة، فهم يحبون بقوة ولا يعرفون معنى الحقد، يتكلمون بعفوية وسذاجة، ولا يجيدون البتة النفاق الاجتماعي، ويتلهفون للقاء أصدقائهم وأقاربهم ويحاولون دائما التعبير لهم عن أحاسيسهم ومودتهم مع أنهم لا ينجحون في ذلك إلا نادرا. كما يمنحون أهمية عظيمة للحاجات الإنسانية ويقدمون مصلحة الآخرين على مصالحهم الشخصية، ويتقنون إسعاد غيرهم ولو بأتفه الأشياء وأبسطها. فهم يمزجون بين عدة صفات مختلفة كل الاختلاف كالحب، والفرح، والحزن، والخوف، والتوتر، والملل، والتحدي والخجل لكن كلها تنبثق من أصل واحد هو الرقة والإحساس المرهف.

أكدت دراسات علم النفس أنهم يستجيبون بسرعة للمؤثرات الخارجية مما يولد لديهم عصبية صادمة لمن حولهم؛ لأن صفتهم المعتادة هي الهدوء والوقار، ويمكن أن تتحول هذه العصبية في كثير من الأحيان إلى بكاء غزير في مكان مغلق ومنعزل عن الآخرين. لذلك يستحسن أن تنتقد ذوي الإحساس الزائد بطريقة غير مباشرة فيها القليل من البساطة والمزاح؛ لأن الانتقاد الشخصي المباشر يجعلهم يشعرون بخيبة الأمل وقد يدمر أحاسيسهم. إنهم غالبا ما يبحثون في علاقاتهم الحميمية عن الأمان والطمأنينة ويسعون باستمرار إلى الاستقرار، غير أنهم يشعرون بالرتابة والملل من حين لآخر وهذا ما يدفعهم لإثارة الحوار والنقاش. إذ يمكنهم التحدث لساعات طوال دون كلل ولا ملل. كما يقومون بأشياء جنونية كالرقص والغناء وتقليد أصوات الأقارب والأصدقاء والمشاهير. إلا أن هذا لا ينفي رغبتهم الشديدة في العزلة عن الناس من وقت لآخر لاستكشاف ذواتهم وللهروب من ضوضاء المجتمع وصخبه. فهم بحاجة إلى الانفراد بأنفسهم والتحدث إليها من أجل ترتيب أفكارهم وتسطير أهدافهم من جديد للتمكن من رؤية العالم بشكل أوضح.
كما أنهم لا يستطيعون القيام بمهامهم بشكل جيد إذا كانوا تحت المراقبة المباشرة لرؤساء عملهم وذلك راجع لارتباكهم وتوترهم. لذا من الأفضل أن تُتْرَك لهم مساحة للاشتغال بتركيز وهدوء، وسيبهرون من حولهم بنتائج ممتازة تفوق التوقعات. إنهم يحبون كثيرا خوض المغامرات والتحديات، لكنهم يخشون أكثر العتاب والآراء السلبية والأحكام الجاهزة. إذ إنهم يبدون حساسيتهم تجاه أي كلمة يتم توجيهها لهم سواء أكانت جارحة أم لا، بقصد أو بدونه، ثم يقومون بتحليلها حرفا بحرف ويحاولون قراءة ما بين السطور، فلا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار إلا بعد الفهم الجيد والدقيق لما تحمله الكلمات من رسائل مشفرة. لذلك وجب انتقاء كلماتك بحرص وعناية عند مخاطبتك لهذه الفئة من الأشخاص، واتخاذ قدر من الحيطة والحذر حتى لا تكون سببا في خدش قلب طيب قد لا يستحمل ألم حروف جارحة خرجت من فمك عن غير قصد.