ثقافة تافهة…

349

تعج شاشاتنا اليوم، الصغيرة والكبيرة، بالملايين من الفيديوهات والأخبار والإعلانات والصور، التي تطرح أمامنا والتي تملأ عقولنا وتثير حواسنا دون توقف، حتى أصبحنا نتيه وسط هذا الزخم الكبير من المعلومات؛ فيضيع وقتنا بين هذه الصورة وتلك، وهذا الفيديو وذاك. لقد أصبح انتباه المشاهد المغربي اليوم مُنصباًّ على تتبع الأخبار والأحداث والفضائح التي لا تفيده في شيء والتي تضيع وقته وجهده، وتستنزف ذاكرته في أمور تافهة لا معنى لها.

من المؤكد أن وجود التكنولوجيا والأنترنت -في هذا العصر- عامة، ووجود وسائل التواصل الاجتماعي خاصة؛ مكَّن من زيادة الوعي لدى الناس وإثراء ثقافتهم في شتى المجالات، إلا أن انجراف الناس وراء كل ما تقدمه هذه الوسائل من محتويات أسفر عن انتشار ظاهرة يمكن أن نطلق عليها اسم “ثقافة تافهة”؛ حيث يمكننا القول بأن %٩٠ من المعلومات التي يتلقاها المشاهد لا تزيد من مستواه العلمي والمعرفي شيئا. فما هو السبب إذن وراء انتشار هذه الظاهرة؟ ما الذي يدفع الناس لمتابعة هذه السخافات؟ وما هي الدوافع وراء إنتاج مثل هذه المواد الإعلامية وتسويقها؟
في مجال الاقتصاد هناك تياران فكريان متعاكسان، أولهما يقوم على فكرة رئيسة وهي “العرض يحدد الطلب” أو “العرض يخلق الطلب”، هذا يعني أنه يكفي أن نطرح أي منتج أو خدمة جديدة في السوق حتى يصبح لديه زبناءٌ ومُريدون؛ إذ بهذه الطريقة يخلق المنتج الحاجة لدى الناس فبعد استعماله والاعتياد عليه يصبح شيئا فشيئا من الضروريات. أما التيار الثاني فهو يقوم على عكس ما سبق، أي أن الطلب هو ما يحدد العرض؛ حيث إن الحاجة إلى الشيء هي الدافع وراء إنتاجه واستهلاكه وكما يقول المثل: الحاجة أم الاختراع. إذا أردنا الآن أن نحلل سبب انتشار التفاهة والسطحية في مجتمعنا من نفس المنطلق، فما هو السبب وراء هذه “الكثرة” والانتشار الواسع لمثل هذه مواضيع؟ هل هو ارتفاع العرض أم ارتفاع الطلب؟

مقالات مرتبطة

إذا أردنا أن ننظر إلى الموضوع من الزاوية الأولى ألا وهي: العرض يحدد الطلب؛ سنجد أن الفئة المنتجة والمسوِّقة لهذا النوع من السخافات تسعى إلى أمرين اثنين: إما الشهرة من أجل الشهرة وإما الشهرة من أجل المال، فالفئة الأولى تُحقق لها الشهرةُ السعادةَ والرضا النفسي. هؤلاء الأشخاص غالبا ما تكون لديهم عقد نفسية كالإحساس بالدونية أو النقص أو يكونوا أشخاصا اجتماعيين بطبيعتهم ويحبون جذب الانتباه، هذه الشريحة من “المنتجين” أغلب المواد التي ينشرونها تكون صورا أو فيديوهات لهم وهم يزاولون حياتهم اليومية. هذه المنشورات لا تحمل أي جديد أو فائدة بل تهدف فقط إلى الحصول على سيل من الإعجابات والتعليقات التي تشبع جوع الشهرة لديهم وترضي غرورهم.
أما الفئة الثانية فهي في سعيها إلى الشهرة تبحث عن المال؛ حيث أصبحت الشهرة الآن أسرع الطرق وأسهلها لجني المال على الإطلاق، فقد أضحت الشركات الكبرى والصغرى وحتى المؤسسات والجمعيات الخيرية تتهافت على توظيف الوجوه المعروفة من أجل الدعاية والإعلان لتسويق منتجاتها وتنشيط فعالياتها. هذه الفئة تهدف إلى زيادة أعداد المتابعين وهذا ما يدفعهم إلى مشاركة منشورات فارغة على صفحاتهم لأجل الزيادة من مردودهم المادي. وهنالك فئة ثالثة -التي أعتبرها الأكثر ذكاء والأكثر تفاهة في نفس الوقت- فهي تقتات على ما توفره لها الفئتان الأولى والثانية، ألا وهي الصفحات والمواقع وبعض المنابر الإعلامية كالجرائد والمجلات، التي تنشر أخبارا وقصصا سواء حقيقية أو مفبركة عن المشاهير تسترعي اهتمام الناس، هذه الفئة لا تُتعب نفسها في البحث عن متابعين فهم موجودون بالأساس، يكفي لفت انتباههم لتجد الخبر أو الفيديو قد حقق آلاف المشاهدات في وقت قياسي، هي إذن غنيمة قُدمت لهم على طبق من ذهب.

نجد إذن أن الدوافع التي تكمن وراء إنتاج هذا الكم الهائل من التفاهة منطقية ومقنعة، خاصة في ظل ارتفاع نسبة البطالة -إلى حد ما- من جهة، وتنامي ظاهرة التكاسل والتواكل لدى الشباب من جهة أخرى، والذي يدفعه إلى البحث عن أسهل الطرق وأقلها عناء لتسلق المراتب المادية والاجتماعية.
فإذا كانت الحاجة إلى المال والشهرة هي الدافع وراء إنتاج محتويات فارغة وتافهة فما حاجة الناس إلى مشاهدتها ومتابعتها خاصة أنها لا تعود عليهم بأية منافع مادية أو معنوية؟ بالنظر إلى ضغوطات الحياة اليومية والمشاغل التي ينغمس فيها المرء كل يوم، والتي تسبب له التعب النفسي قبل الجسدي، يصبح من الضروري إيجاد وسائل للترفيه والابتعاد عن التوتر، طبعا وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة أصبحت أسرع وأسهل وسيلة للتسلية، في حين كان الناس سابقا يخرجون في نزهة أو يذهبون إلى السينما أو يقومون بزيارات عائلية كنوع من الترفيه. لقد تحولت الحاجة إلى الترفيه إلى إدمان؛ حيث أدمن الناس متابعة أي شيء يقدم لهم على مواقع التواصل الاجتماعي، يوزعون لايكات وينشرون فيديوهات ومعلومات ليسوا متأكدين حتى من صحتها، كما أن أخبار المشاهير وفضائحهم صارت تستهويهم بشكل غير معقول.

كخلاصة، يمكن القول بأن انتشار هذه الثقافة التافهة في مجتمعنا يغذيه العرض كما الطلب، إلا أن دوافع العرض أو الإنتاج هي دوافع واضحة وعقلانية بل ومشروعة؛ حيث إنه يحقق لأصحابه عائدات مادية ومعنوية، في حين أن الطلب أو الاستهلاك ليس له مبرر على الإطلاق، فلا بد للإنسان أن يتحكم فيما يشاهده وأن ينتقي ما يفيده وألا ينساق وراء كل ما يعرض عليه، فهو إن لم يكلفه مالا فسيكلفه وقتا وجهدا دون وعي منه بخطورة الأمر.