المجتمع والقيم…الناس والمصلحة

262

بإسدال الستار عن نهاية كل موسم دراسي، وإجراء اختبارات آخر السنة، تظهر سلوكيات تعري واقع التفكير المصلحي الشخصي الكامن في أفراد مجتمعاتنا. ولك أن تدرك هذا من خلال الأخبار التي تتناقلها الصحافة عن فضائح الغش في الاختبار. خاصة امتحانات نهاية الثانوية/ الباكالوريا.
هي سلوكيات كثيرة وتتفاوت في الغرابة ومستوى الذكاء المطلوب في إنجازها. لكنها تكشف عن واقع مجتمعي لا يمكننا إنكاره. ألا وهو تفشي الغش بين أفراد المجتمع. فالشباب، كل الشباب، يسمعون بظواهر الغش وأنواعه وطرقه، مما يجعل الموضوع يستمر مع الجميع ويلازمهم في أذهانهم لارتباطه بمرحلة مفصلية في حياتهم الدراسية المؤهلة إلى مناصب المسؤولية. فضلا عن هذا، فإن الوسائل المستعملة في هذا الغش لا تخص الشاب الذي يجتاز الامتحان، مما يجعل قاعدة المشارك في الغش في الاختبارات موسعة لتشمل الأسر والمقربين والتقنيين والكتبيين…الخ.

وبوقوفنا على واقع القيم في مجتمعنا، فإن هذا لا يدع لنا متمسكا أو شماعة نلقي باللائمة عليها؛ إذا استحضرنا تلقي هذه الظاهرة في صفوف أفراد المجتمع. ويمكن استخلاص هذا من خلال ردود الأفعال على أخبارها في الجرائد الإلكترونية، أو وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الردود التي يغلب عليها الاستهزاء أو السخرية أو التعجب، دون قراءة متأنية للحال الذي آل إليه الوضع. وربما يحلو للبعض أن يلعب دور المنظر السيكولوجي والسوسيولوجي، مما يفيد أن الظاهرة لا تلقى أبدا ما تستحقه من أهمية بين أفراد المجتمع.

مقالات مرتبطة

إن جمال الصناعة يكون بابتعادها عن الغش، والرقي المعرفي يحصل بالابتعاد كذلك عن الغش. يتحدث كُرد محمد علي في كتابه خطط الشام (4/159) عن الصناعات القديمة، وخص الصابون النابلسي (نسبة إلى نابلس) بميزة قائلا: “وخير الصابون وأشهره اليوم الصابون النابلسي، فيه -على ما يظهر- خاصية ليست بغيره. وأن السر في جودته وإتقانه بدون غش”.
وأكبر من يقف على هذا هم من يقرؤون إنتاجات الباحثين، إذ يخلصون دون عناء كبير إلى جمال بعض الدراسات لابتعادها عن الغش والنقل المفضوح.
وأصل الغش في اللغة هو خلط الشيء بما ليس منه. لكن يكون هذا المخلوط به أقل حجما ومستوى من الشيء الأصلي. مثل الغش في الذهب أو الدقيق أو اللبن. وهذا غريب. والمشرب الكدر أصل للغش أيضا في اللغة (مجمع بحار الأنوار في غرائب النزيل ولطائف الأخبار 4/40).

إن على المجتمع التقاط الرسالة، فإن لم يتدارك بعض ما بقي أوشك على الإفلاس والسقوط.؛ فالشخص الغاش يعلل جريرته بوجود الغش في المجتمع بشكل أكبر يتم التغاضي عنه، وهو أكثر ضررا لتعلقه بحياة الناس العامة.
ولا بد للمجتمع أن يجيب عن هذا الإشكال، ليس ليعرف من أن يبدأ المحاربة؛ لأن الغش أينما ظهر فهو مرفوض، بل ليعلم أنه مستتر فعلا على أنواع أخرى من الغش. لكن التخلي عن الظاهرة إن لم يرسخ في هؤلاء الشباب ليبتعدوا عنها في حياتهم الدراسية والعملية والسياسية والشخصية؛ فإن المجتمع سيظل مزدوج المعايير. وهذا ضريبته أوخم من الغش في حد ذاته. والواقع أكبر شاهد.

إن المجتمع العربي لا يعاني من شيء أكبر من انعدام من يحمل هم نهوضه وتنميته حقيقة، ويتلمس خطى الناجحين للرقي به من جديد.
والناس تعلَمُنَا والناس تعْلَمُكُم من غش جاراته منا ومن نصحا. إن مقاربة الحزم والترسانة القانونية اللتان تواجه بهما الدولة هذا الاختبار لا تكفيان أبدا لمحاربة الغش؛ لأنه أمر داخلي وقناعة قيمية، لا يمكن تغييرها مادام المجتمع يقبع في هذا الوضع المأساوي.
لا بد إذن من القيام بمسؤولية الأمانة في كل ما يتعلق بواقع المتعلم. فمقاربة محاربة الغش تبدأ بوضع مناهج واقعية تستجيب لصناعة مواطن متعلم له قيم مجتمعه، منفتح على ثقافة غيره، لا إثقال كاهله بمناهج كمية وتعلمات كثيرة، بعضها لا حاجة له بها أبدا، وبعضها الآخر صعب الاستيعاب أصلا، والبعض منها يتساءل عن جدواه بالأساس، ثم مصاحبة هذا التلميذ لمعرفة تعثراته في مسيرته التعليمية، ودعمه فيها. وتبدأ أيضا -من جملة ما تبدأ به- باستشارة المدرسين والأخذ بآرائهم، بعد العناية بمستواهم المعرفي والمنهجي، وعدم وضعهم جبهة متَقَصَّدة يتم اللجوء إليها لفرض أوامر جائرة في حق التعليم، وقوانين تطفئ ما بقي من بصيص الأمل والنور في الحقل التعليمي.