هل أدرنا وجوهنا عن فلسطين ؟

682

لم تكَد البلاد العربية تتخلَّص من رقِّ الاستعمار في منتصف القرن الماضي حتى فوجئت شعوب هذه البلاد بطروء كيانٍ غريب جديدٍ في المنطقة، أبى الاستعمار البريطاني إلا أن يعبِّد له الطريق، ويُيسّر له السبل، ويوفر له أسباب الوجود والتثبيت والاستقرار في أرض، ليست بأرضه، أرض فلسطين الأبية، والحديثُ هنا عن الكيان الصهيوني بطبيعة الحال. ومنذ ذلك الحين، وعلى طول سبعين سنة كاملة ويزيد قليلا، ظلت قضية فلسطين والقدس الشريف محطَّ اهتمام الشعوب العربية والإسلامية، بدعواتهم في السر والجهر وفي البيوت وعلى المنابر، وبالوقفات والمسيرات الاحتجاجية الداعمة، والبعثات والزيارات المساندة، والإعانات في أحيان أخرى، خاصة عند تجدُّد اعتداء أو تزايُدِه. وقد حافظت هذه القضية على موقعها ومكانتها في وجدان هذه الشعوب منذ ذلك الحين، رغم كل المحاولات الدؤوبة لإقبارها في أكثر من مرة، وبأكثر من طريقة.

وقد تجدد الاهتمام بهذه القضية أكثر فأكثر منذ مجيء الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، والذي يبدو أنه قلقٌ زيادةً عن اللزوم على مستقبل الوجود الإسرائيلي وعلى أمنها واندماجها في منطقة الشرق الأوسط، ولذلك نراهُ يسابق الزمن لتصفية هذه القضية قبل انتهاء ولايته الرئاسية التي لم يبقَ منها إلا القليل، وقد يجدَّدُ له للولاية الثانية وقد لا يُجدَّد له. ولعل آخر فصول هذه القضية هو المؤتمر الذي انعقد مؤخرا في عاصمة البحرين المنامة، إحدى الدول العربية الذي أصبحت منذ مدة تتقرب إلى إسرائيل زلفى، وتتغزل بها في السر والعلن في السنوات الأخيرة، هذا المؤتمر الذي اختير له عنوان: peace for prosperity، أي السلام من أجل الازدهار، وهو عنوان تضليلي كاذب؛ فهو كاذب؛ لأن الخطوة في جوهرها إنما تروم حمْلَ الفلسطينيين على التنازل عن الأرض مقابل العيش والسلام، فهو سلام بأرض، وليس بازدهار! وهو تضليلي لأنه اختزل القضية في المشكلة الاقتصادية، كما نجده في تقرير كوشنير، صهر ترامب والوكيل المعتمد لإنجاز وإنجاح هذه الصفقة التي وُصِفت بصفقة القرن، والحال أن الجانب الاقتصادي لا يمثل إلا جزءا صغيرا من القضية، وإنما الجانب الرئيس والمؤثر هو الجانب السياسي للقضية، والحمولة الدينية والرمزية التاريخية للأراضي المقدسة لدى الفلسطينيين خاصة، ولدى عامة الشعوب العربية والمسلمة بشكل عام.

 

وفي ظل هذا السياق، ومع كثرة المعلقين والمحللين لهذا المؤتمر ومخرجاته، والغايات المعلنة والمستبطنة منه، عدتُ إلى مذكراتي باحثا عن بعض الأفكار التي كنتُ أدونها في موضوع قضية القدس، كلما تجدد حادث، أو دعا داعٍ إلى التدوين، لكتابة مقال تفاعلاً مع هذا الحدث الأخير؛ أعني حدث انعقاد مؤتمر المنامة، فوجدتُ بعض الأفكار التي دونتُها في فترات زمنية متباينة، وهي التي ستجدُها، عزيزي القارئ، تُشكل مادة هذا المقال. وفي الواقع، إنني لم أتردد في الكتابة عن هذا الموضوع مخافة أن يُقال لي: “ها أنت أيضا قد أصبحتَ تخوض في التحليل السياسي”، والذي لا يكون في معظمه إلا رجما بالغيب، يَنْفضح زَيفُه مع مرور الوقت. والحقُّ أن هذه القضية، فعلا، لا يمكن تجرديها من جوانبها السياسية، فهي، في التحليل القانوني والواقعي، تعود إلى خلافات سياسية بين صاحب أرض يرفض التخلي عن أراضيه، وبين كيان طارئ غصبها منه بالقوة والتآمر والاستقواء بالغير. غير أن هذه القضية، من جانب آخر، تكتسي رمزية خاصة لدى كل مسلم، ولذلك فتعاطفه لا يكون مُتمحِّضاً للجانب السياسي من القضية، وإن كان حاضرا، بل، وأيضا، للرمزية الدينية والتاريخية لهذه البلاد وللقدس الشريف خاصة باعتبار أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام.
وأكثر ما يَلفتُ انتباهي دائما حول هذه القضية هي الأساليب والاستراتيجيات الماكرة المُتَّبعة من أجل تصفية هذه القضية، ليُصبح وجود الكيان الصهيوني بالمنطقة وجودا عادياً طبيعيا، يَنعم بالأمن والطمأنينة والاستقرار، وليس جسماً غريبا عن المنطقة، في مقابل ردود أفعال الشعوب العربية والإسلامية والتي تتسم في الغالب بعاطفة زائدة، وبتكرارٍ عقيم في الأساليب، لا يَخدم القضية إلا في حدود ضيقة للغاية، هذا إن لم نَذهب إلى حد زعْمِ أنها لا تفيدها بشيء!

مقالات مرتبطة

ثبت تاريخيا أن من الأساليب الفعالة وغير المكلفة للانتصار على العدو هو إضعافه من الداخل، بدس الجواسيس وإغراء الخوَنة وبيْع الوهم للجبناء لِيُثبطوا عزائم الأحرار المجاهدين، ويُشككوهم في مدى أهمية القضية التي يخاطرون بأرواحهم وأهليهم وأموالهم في سبيلها؛ ولذلك تجد في كل المجتمعات التي تتعرض لاحتلال طويل وحروب قاسية فئةً لا تجرؤ على المقاومة، وتمل من انتظار الحلول الحقيقية، وتيأس من النصر في الميدان، ومن تم تنخرط في المساومة على الأرض، ويبدأ الاعتراف التدريجي بالمحتل. وهذا الأخير يشرَع في التضخيم من أهمية هذه الفئة، عبر تسليط الضوء عليها وحدها، وتقديمها على أنها فئة حكيمة وراشدة، تحسن التعامل مع الأحداث، وتفهم ما يجري في الواقع بشكل جيد، وهي لا تسعى إلا لمصلحة شعبها.
بعد أن ينجح العدو في تسويق هذه الصورة المزَيَّفة عن هذه الفئة، يندفق الحريصون على الحياة، والعاجزون عن المواجهة إلى الانضمام إليها وتكثير سوادها، لِتصبح فئة بارزة حقا من حيث الحساب والأرقام، بعد أن كانت مجرد أفراد شواذ، خارجين عن الإجماع الوطني. إن الاحتلال لن يمانع من تمويل هذه الفئة بكل المال الذي تحتاجه، ما دام أنه سيُنصبها متحدثا باسم الشعب المحتل، وممثلا رسميا له في المحافل الدولية، لِتصادق على القوانين والاتفاقيات التي تخدم الاحتلال، وتضر بهوية ومصالح الشعب التي نُصِّبت للدفاع عن مصالحه وحقه في أراضيه…خاصة إذا كانت هذه الاتفاقيات تضمن بضع سنوات زائدة من الحياة، ليُصبح الأمرُ مقايضةً للأرض بالعيش والسلام.
إن الكيان الصهيوني لم يَتوقّف عند حدّ دعم الفئة المذكورة، وإنما حاول تسويد صورة المقاومة في الخارج، ولدى الرأي العام الدولي، بتقديم المقاومين على أنهم إرهابيون، وتكرير ذلك في وسائل الإعلام العالمية كل يوم حتى أصبح وكأنه حقيقة لا يتطرق إليها الشك، فتم إدراج حماس كمنظمة إرهابية، وتبنت هذا الطرح دول عربية من تيار الانبطاح، والتي تقيم سرا مع “إسرائيل” علاقات متينة، وإن كانت في وقت من الأوقات ترفض الاعتراف بها في العلن. هذه الدول التي أصبحت تُصنِّف كل من يتعامل مع تيار المقاومة من الدول والأفراد والتنظيمات على أنه محسوب على “تيار الإرهاب”، ومن تم يجب أن يحاكم دوليا، أو يحاصر اقتصاديا أو يقاطع سياسيا؛ لأسباب تزيد عن العدّ، ليسَ آخرها الصفقات السياسية والمصالح الاقتصادية التي تجمعهم بالمحتل، بالإضافة إلى الملفات الاستخباراتية والفضائح الأخلاقية لـ “زعماء” هذه الدول، والتي يتستر عليها الموساد وشركاؤه، ناهيك عن أوامر الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تحرص على سلامة ومصلحة “إسرائيل”، تلبيةً لرغبة اللوبي الصهيوني الأخطبوطي القوي الذي يتواجد بها، فضلاً عن حرص هذه الدول الكبرى أنفسها على بقاء دولة مثل “إسرائيل” في منطقة “الشرق الاوسط”، قصد إحكام السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية من خلال دعم هذا الكيان الغريب عن المنطقة.

إن هذا الانبطاح العربي وهذا التخلي من الكثير من الدول العربية عن القضية الفلسطينية، بل ومعاداة كل من يدعم المقاومة في فلسطين، أضف إلى ذلك تورُّطَ دولٍ عربية أخرى في حروب مفبركة، ودعم وتنصيب عملاء على رأس دول أخرى مؤثرة في المنطقة بعد الركوب على الربيع العربي، كل هذا جعل “إسرائيل” تمر إلى مرحلة جديدة وغير مسبوقة من تاريخ هذا الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وذلك بالإقدام على إجراءات لم تكن تجرؤ عليها فيما مضى من سابق تاريخ هذه القضية، ومن ذلك الإقدام على إغلاق المسجد الأقصى لأول مرة منذ خمسين سنة، وذلك قبل سنة ونيف، وبالضبط في الرابع عشر من شهر يوليوز من سنة 2017، قبل أن تعود سلطات الاحتلال لفتحه يومين بعد ذلك، بعد تصاعد الاحتجاجات والتنديدات، ناهيك عن العبث بمحتويات القدس، ومنع الأذان فيه، والمساس بقدسيته وحرمته، وهو الذي له مكانة سامية في وجدان المسلمين، باعتباره أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول عليه السلام.
إن هذه المرحلة من تاريخ هذه القضية مختلفة غاية الاختلاف عن المراحل السابقة، ذلك أن إسرائيل لم يسبق لها أن وصلت إلى هذه الدرجة من الجرأة على المساس بحرمة القدس، كما أن توالي الهزائم والنكسات، خاصة بعد نجاح الثورات المضادة للربيع العربي، أدخل الشعوب العربية والإسلامية في حالة من اليأس والإحباط واللامبالاة بما يجري، ولعل هذا من الأسباب التي جعلت أصحاب الحل والعقد في البيت الأبيض يُسرعُون الخطى من أجل تحقيق أكبر المكاسب لصالح إسرائيل في هذه الفترة.
ومن ذلك إعلان الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل في السادس من شهر دجنبر من سنة 2017، لِيتبيّن بالملموس، لمن لم يتبيّن له بعدُ، أن الولايات المتحدة الأمريكية طرف رئيسي في الأزمة، ولم تكن يوما طرفاً وسيطا لإيجاد الحلول المرضية للطرفين، أو التي تُقارب الرضى في أضعف الأحوال.
إن هذه المستجدات والمعطيات كلها تَجعلنا نُدرك أننا أمام مرحلة في غاية الخطورة في تاريخ هذه القضية، وُيحتِّم علينا الجلوس والتفكير مليا في أصل الإشكال ومنبعه، والذي ليس إلا الضعف والتخلف والهوان الذي تقبع فيه أمتنا، فما استُبِيحتْ حِمانا، ولا نُهبت ثرواتنا، ولا اغتُصبت أراضينا، ولا استُؤسد علينا إلا لضعفنا وتخلُّفنا على جميع الأصعدة: العلمية والاقتصادية والعسكرية وغيرها. مما يجعل إعادة طرح سؤال النهضة والتفكير الجدي أمرا محتوما لا مندوحة لنا عنه، لإيجاد حلولٍ للخروج من المستنقع الحالي، والذي يجعل الأممَ تتداعى علينا، كما في الحديث: ﴿ يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ﴾ الحديث [سنن أبي داوود: 4297].

الجانب المشرق في الأمر هو أن من شأن مثل هذه الصفعات التي تُصفع بها الأمة من حينٍ لآخر أن تكون مفيدة لنا لإعادة التفكير في أوضاعنا، وفي مكانتنا بين الأمم اليوم، وبذل غاية الوسع للتأسيس لنهضة شاملة لجميع الأصعدة، وقد كان من أمثال العرب أنْ “رُبَّ ضارة نافعة”. لكن الاستفادة من هذه الأزمات لإعادة استنفار الوعي لا يكون إلا بالأخذ بالأسباب الحقيقية التي تؤدي حقيقةً إلى هذه النهضة، وليس بالشعارات والمظاهرات والإجراءات العقيمة التي ألفناها مذ بدأ وعينا يتشكل في بداياته الأولى. وأهم خطوة، في نظري، يجب أن يرُكز عليها المثقفون اهتمامَهم هي إعادة الأمل، أولاً، إلى شباب هذه الأمة، إذ لا يمكن التأسيس لأية نهضة إذا كان جلُّ شبابنا همُّهم الأكبر وحلمُهم الأوحد أن يغادروا أوطانهم إلى بلاد أخرى. يجب أن نُعيد الأمل إلى هؤلاء، وأن نُقنعهم أن ما تعيشه الأمة محنة وستمُرُّ، وأن أحلك ساعات الليل سوادًا هي التي تسبق الفجر، وأشد الأيام قسوة هي التي تسبق تباشير النصر.
ويجب العمل على نشر ثقافة العمل والأخذ بالأسباب، ونبذ التواكل والتفاسير الحتمية للأحداث، ذلك أن الله تعالى خلق هذا الكون، وأرسى فيه قوانين كونية يسير عليها، من عمِل على وَفقها أفلح وانتصر، ومن سار على عكس مقتضاها انتكس وانتحر. وهذا أمرٌ أبيَنُ من أن يحتاج إلى توضيح؛ فلو وقع رجلان في بحر، فإن الذي كان تعلم السباحة منهما وأجادها سينجو، والذي لم يتعلمها ولم يَصرف اهتمامه إليها سيغرق، وإن لم يوجد مَن يُنقذه سيموت حتماً، بغض النظر عن عقيدته. والإنسان ذو البنية الجسمية السليمة، الذي يتعهد صحته بالأكل الصحي والتمارين الرياضية بانتظام، من المعقول أن يكون أقدرَ على التغلب على أكثر من شخص هزيل البنية، أهلكَ نفسه وصحته بمختلف أنواع المخدرات والمأكولات المضرة بالصحة. وهذا كما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات والدول، فالدول التي تأخذ بأسباب التقدم سوف تنجح في تحصيل مرادها، والدول الحالمة التي تَبرع في إنشاء الخطابات البراقة، ونشر ثقافة الكلام لا ثقافة العمل سوف تتقهقر وتنتكس وتزيد دركاتٍ في التخلُّف.

وختاما أشير إلى أنني لستُ ضد ثقافة التظاهر بالجملة، وليس هذا قصدي، وإنما القصد أن علينا أن نوجه اهتمامنا إلى الأخذ بالأسباب؛ لأن المظاهرات وتغيير صور الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي قد ينجح في تثبيت حرارة القضية في نفوس الناس، وإبقاء الوعي بها حيا، لكن تأثيره لا يتجاوز ذلك. ونحن نحتاج إلى أكثر من مجرد إبقاء الوعي بقضية ما حيا، نحتاج إلى ما يَجعلنا قادرين على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة عندما نهانُ، عندما تتعرض حرمتنا للانتهاك، عندما تتعرض مصالحنا للتهديد، حين يُساء إلينا في وجودنا الاعتباري. لا يقتصر على الاحتجاج وحده إلا مَن لا يستطيع أن يتخذ إجراءً آخر أكثر صرامة.
ومن تم تعلم، عزيزي القارئ، أن المهمة هي إخراج الأمة من حالة العجز: العجز عن اتخاذ القرار، العجز عن الانتصار للنفس، العجز عن رفض الظلم! ولا يكون ذلك إلا بالوعي الفردي والجمعي بضرورة عمل كل واحد منا من موقعه على الإسهام في الخروج من هذه الحالة. لا يتطلب الأمر، بالضرورة، أن يكون ذا منصب سامٍ وصاحب قرار لكي يُسهم في هذا الواجب، بل مجرد إحسان كل واحد منا في أداء مهمته ووظيفته جزء من الإسهام في أداء هذا الواجب، أستاذا كان المرء أو طبيبا أو موظفا في مقاطعة، أو مهندسا أو فلاحا، أو غير ذلك من الوظائف. أن تُعلم زوجتك التي لا تقرأ وتساعدها في الخروج من دائرة الأمية جزء من أداء هذا الواجب، أن تتكفل بيتيم في محيطك وتساعده ليحظى بتعليم جيد جزء من الإسهام في هذا الواجب، أن تكون طالبا مجتهدا عالي الهمة، وباحثا مخلصا في البحث جزء كبير من الإسهام في هذا الواجب.
إن إصلاح الفرد دائما مقدم إصلاح الجماعة؛ لأن الإفراد مقدم على التركيب بداهةً، ورفْع الخطأ وأسبابه مقدم على إقامة الصواب، وقد كان من مقالات الصوفية المشهورة: “التخلية قبل التحلية”، أي إفراغ القلوب من أدواء الغل والحقد والحسد وغيرها من الأمراض مقدم على تحليته بالتقوى والإيمان والمحبة. وأختم كلامي بمقولة لعلي عزت بيجوفيتش دالة جدا، يقول فيها: “لا تقتُل البعوض، وإنما جفِّفْ المستنقعات”.