أرواح تائهة

248

لم أكن كغيري من الأطفال الذين يعيشون بسلام حول العالم , فمنذ أن فتحت عيناي في هذه الحياة لم أسمع سوى صوت البنادق , وصخب الرصاص,  وأنين الشيوخ ,وصراخ الأطفال، وبكاء النساء …

اسمي ” أمل ” ،  خلقت تحت ظل الحرب التي لم تكن لتنتهي فكنت لوالدتي الضوء الذي أنار حياتها بعد فقدانها لأخي الذي لم أره قط  إلا في بعض الشظايا المتبقية من الصور ، وكنت لأبي ذلك الأمل الذي أعاده للحياة، جئت لحياتهما كالشعلة التي أعادت البهجة والسرور إلى المنزل بعد أن تلبسته الظلمة منذ رحيل أخي الذي قتل بعد اتهامه بطعن جندي إسرائيلي وهو في سن الخامس عشرة سنة…

كبرت وكبر معي حب المقاومة والدفاع عن الوطن ، والآن بعد أن أصبحت راشدة بدأت أحس أنني قادرة على حمل المسؤولية التي بدأها أخي وحماية أسرتي الصغيرة من بطش الصهاينة , فكان القلم سلاحي والورقة  مرآتي، كانت أمي دائما تحذرني بدموع منهمرة بأنها لا تود فقداني مثلما حدث مع أخي من قبل وكنت دائما أجيبها قائلة إنها قضية وطن يا أمي وهذا الوطن هو من حملنا فوق ترابه طيلة الزمن الذي مضى فكيف سأتخلى عنه هكذا بسهولة في سبيل أن أخضع لقيود واهية تزعم بأنها تضمن سلامتي , وغالبا ما كان ينتهي نقاشي و أمي باحتضانها لي وبكلماتها المليئة بالخوف التي لم تفارق ذاكرتي حتى بعد استشهادها…

مقالات مرتبطة

نعم لقد قتلها الصهاينة بعد أن أخطأت الرصاصة مكانها فانغمست في صدر أمي بعد أن كانت مصوبة نحو قلبي .. قلبي الذي أصبح سوادا حالكا بعد وضعها في الرداء الأبيض وصار أبي كالطير الذي كسر جناحه، صار كسجد فارغ بلا روح يسير بلا هدف ولا اتجاه، كيف لا وهو الذي فقد رفيقة دربه التي لم يستحمل فراقها فلحق بها بعد أيام قليلة من ذهابها ف بقيت أنا روحا بلا مأوى ولا ملجأ ولا سلاح لي غير مقالاتي التي تسببت لي في فقد سندي في هذه الحياة القاسية …

وفي وسط هذه المتاهة والألم خرجت بأمل جديد، بروح جديدة وبنفس آخر لأكمل كفاحي ضد الظالمين والقتلة، كفاحي الذي لن أنهيه حتى آخر رمق سأعيشه في في حياتي .
صارعت ووقفت في وجه الرصاص وأنا أنثى عشرينية … “أنثى” يا لها من كلمة لم آخد منها سوى الإسم ، لم أنتبه يوما لأي شيء يخص الإناث ولم تكن أي فتاة لها نفس المسؤولية تهتم بتلك التفاصيل فقد خلقنا وسط الرماد والدماء وجتث الشهداء وحملنا من المسؤولية نفس ما كان يحمله الرجال، هكذا هم الاناث في بلادنا بلاد الأسود والشجعان .

جاء اليوم الموعود الذي انتظره الأوغاد بفارغ الصبر ، كان مقالي الأخير حول ” الرعب الذي يسببه الأطفال الفلسطينيون لكبار القادة الصهاينة ” مثل الشرارة التي حطمت كرامتم فأنسبوا لي ما أنسبوا من تهم ملفقة وزائفة وتكبدت أشد أنواع العذاب والقهر الجسدي والمعنوي الذي لم يكن يساوي مثقال ذرة من الألم الذي أحسست به عند فقداني لأخي الذي لم أعرفه أبدا ولأمي التي كانت جزءا من روحي ولا لأبي الكهل الذي كنت أقدس حتى خصلات شعره الأبيض، رغم كل ذلك لم أنحن وقاومت حتى أُصدر في حقي قانون الاعدام .. لم أحزن ولم أجادل حين علمت بالأمر بل قابلت ذلك بكل برود وبابتسامة جافة خالية من أي تعبير ، صرت أفكر بأنني أخيرا سأجتمع بعائلتي وسأرى أخي، آه يا أخي كم أنا متشوقة لرؤيتك .

اليوم أنا أمام حبل المشنقة والعيون كلها متجهة صوبي منها المشفقة علي ومنها الحزينة على فقداني ومنها المرعوبة من ابتسامتي التي لم تفارق وجهي أبدا…

أنا الآن حمامة حرة وسط السماء فوق كل هاته الحروب والمآسي ، كنت رمز القوة بين مجتمعي وصرت الآن رمز السلام بعد ذهابي.