استعدادا لزيارة مكة

220

في كل مرة أسمع خبر ذهاب شخص لزيارة تلك الأرض المباركة كنت أنتظر عودته لاستقباله وكلِّي لهفة لألمس ما تغيَّر فيه، وأقتدي بتصرفاته وعباداته، متوقعةً منه الإقلاع عن النميمة وسوء الظن وأن آخذ منه ذلك الإشباع الإيماني وما استَخْلَصه من مبادئ وعِبَر وأن ينبهني لتقصيري وما أجهله. لكن سرعان ما أن تطأ أقدام غالبيتهم أرض الوطن حتى تُنسى كل تلك الأحاسيس التي راودتهم عن عظمة الله ومدى حجمهم تحت رحمته سبحانه. يستقبلك بماء زمزم والتمر ليشرع بعدها في سرد النزاعات -البريء منها- وكمية الازدحام ورداءة الأكل.

هي ساعات قليلة كافية لينسى نعمة المكان وكل ما عاشه من جمال للاعتبار، تغيب تلك الشحن الإيمانية ليخرج ذلك الكائن الذي يهتم بأمور الدنيا ناسياً ذلك اليوم العظيم وفضائل الله وكرمه.

لطالما راودتني أسئلة: كيف للإنسان أن أكرمه الله دون سواه ويسَّر له بلوغ المسجد النبوي والمسجد الحرام ألاّ يتعظ ولا يُقلِع عن ما لا يرضي الله؟ هل زيارة تلك البقعة الطاهرة غير كافية ليستشعر مدى ضعفه وأن استحضار الله واجب في كل زمان ومكان؟

بعد زيارتي استنتجت أن درجة إيماننا نحن من عليه العمل على تقويتها، ونية التوبة والتغيّر تنبع من داخلنا. فقد ورد في كتابه سبحانه وتعالى: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (سورة الرعد).
الإسلام بحث وكدح وإنفاق وجهاد نفس، ومن عرف نفسه عرف الله. إنه لمؤسف حقا أن نجعل تلك الوجهة آخر همنا نحن العرب، لأن العبادة والتماس القرب من الله ليس بأمر يؤجل إلى حين. العمرة والحج لا سن لهما، فهما يستلزمان جهدا وطاقة كبيرين لذلك فلنجعلهما أول أولوياتنا، ولن أفوت الفرصة لأنبه لأمور قد نغفل عنها عند الاستعداد لزيارة ذلك المقام:

مقالات مرتبطة

الطريق إلى كابول

اختيار ناضج

تعلم أن تقول لا!

أولا: ابحثوا في دينكم -لتستمتعوا أثناء زيارتكم- عن مناسك العمرة عوض الاتكال على مُطَوِّف، عن قصة السعي وما الغاية من الطواف، عن أهم المعالم الدينية من مساجد وجبال وقصصها التاريخية قبل الذهاب إلى المدينة ومكة، عن الهجرة النبوية وأحداثها…إلخ

ثانيا: الزموا ضبط النفس و الصبر…العرب المسلمون لا يشكلون سوى 20% من المعتمرين، الجنسيتان الطاغيتان هناك هما إندونيسيا و باكستان، وإذا قارنت تصرفاتهم تجد الأغلبية الآسيوية منضبطة من جميع النواحي ولا تكاد تسمع لهم صوتا، بين الصلوات الكل يرتل القرآن ويذكر الله، في حين تلك الأقلية من العرب تخوض في المحادثات الفارغة والنزاعات التافهة إلا من رحم ربي (كونوا الخلف الذي يزيل عنا هاته الوصمة).

ثالثا: استشعروا ما يحيط بكم واستحضروا فضله سبحانه وتعالى في كل حركة وفي كل حدث وفي كل وقت.

ختاما، والله لكل حركة وحدث في تلك الأرض المباركة طعم خاص غير مألوف، ومشاهد رحمة ولا أروع: غيث بعد دعاء، جهد من لا قوة، عطاء بلا انقطاع، مسلمون من حول العالم… يغمرك فرح عارم وتحس بانشراح سبحان الله.
فاللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي هي معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، ربي ارزق زيارة بيتك الحرام لكل مشتاق والسجود فيه…آمين.