فيروس السخرية

348
لابد أن الجميع تعرض ولو لمرة واحدة لشكل من أشكال السخرية، التي أصبحت تغزو محيطنا بدافع التسلية والضحك، وشيئا فشيئا بدأت تأخد مكانة خاصة ففسروها على أنها من باب اللطافة وهذا لا يعقل.
وعندما نتعمق أكثر في مفهوم السخرية، وهنا لا أقصد تلك السخرية الناقدة التي يعرف بها الأدب المسرحي أو الفنون، بل قصدت السخرية من بعضنا والسخرية من الأفراد من حولنا. ودعني أخبرك شيئا إن كنت تظن أن الكلام الساخر عبارة عن حديث لطيف وتسلية وقت، بغرض الهروب من روتين الحياة  والتخفيف من قساوة الأيام، فإن عليك إعادة النظر في تعريفك هذا.

تعد السخرية أسهل طريق يمكن أن يعبر به الإنسان للقلب، فيهدم به أسواراً شاهقة بأقل مجهود؛ لأن ما لا يعلمه الجميع أن في الحياة يوجد أناس يعانون من عقد نفسية نتيجة بضع كلمات سمعوها تحت ستار الدعابة والسخرية فقعدت كالفيروس يفتك بهم كل ليلة.
وهناك من تخطى هذه العتبة من السخرية فأدرج تحت مسمياتها مواضيع اجتماعية كبرى كالزواج والصداقة وغيرها من جوانب الحياة، أدت إلى ترسيخ بعض الصور النمطية غير السوية بوعيهم دون أن يشعروا بذلك، نظرا لما أصبح يروج داخل المجموعات والصفحات الفيسبوكية حول هذه المواضيع.
ومن الأشخاص من تزعزع إيمانهم ومعتقداتهم نتيجة تتبعهم لصفحات ساخرة يسيرها ملحدون ويشجعون على الإلحاد.
ونعلم جميعا ما فعلته السخرية بمجتمعاتنا؛ حيث أصبحنا نفسيا نقبل كل ما لم يكن ليقبل البتة في ظروف مغايرة؛ لأن السخرية ليست بعلم يحتاج مناقشة مطولة أو الإتيان بحجة مقابل الحجة ولا حتى أدلة يقبلها العقل، وطريق السخرية سهل السلوك لا يحتاج الإنسان لعلم مسبق، بقدر ما يحتاج مهارة كلامية وخفة دم بنكهة ظل تعبيرية، والأهم أن يكون لك جمهور مرحب ولو على استيحاء.
مقالات مرتبطة

كتبت لأمي..

الطريق إلى كابول

وبعض من الأساليب والمؤثرات لتظيف طعما ولونا خاصا على السخرية فتجد الرسائل تتسلل إلى النفوس وتكسر كل الحواجز والتابوهات فتتمكن من زعزعة بعض التوابث والمقدسات فتجد أن غير المقبول دينا وعرفا أصبح من المسلمات والجميع سعداء. لكن إذا فكرت أن تستفيق من الغفلة وحاولت سلوك طريق العقل والمنطق، ستصبح بذلك عدوهم الأول.
وحتى في كتاب الله تم النهي عن الاستهزاء، حيث قال سبحانه وتعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}.
 لم يكتف بذكر “الكفر” فقط، فلا أظن مثلا أن إنسانا عاقلا سيتأثر بشخص يسبه ويسب مقدساته ومعتقداته بتلك السهولة، لكن الخطورة على القلب تكمن في “ويستهزأ بها” وهنا يظهر الفيروس الخفي والحقيقي.
وإذا بحثنا في اللغة عن كلمة “يستهزأ” فسنجد أنها مشتقة من “هزأ” وفي المعجم إذا قلنا: “هزأ الشيء” بمعنى كسره وهدمه.
وحتى في اللغة الإنجليزية، نجد أن أصل كلمة Sarcasm مشتقة من الكلمة اليونانية Sarkazein والتي تعني حرفيا تمزيق الجسم. إذن فاللغة واضحة جدا وتبين أن الاستهزاء والسخرية هو فيروس فتاك يختبئ وراء صفة المرح والضحك، ويحمل بين طياته أسهل طريق لتمزيق الصور الراسخة وهدم تلك الأسوار العالية.

والذي لا تدركه الغالبية من الناس أن الحكمة ليست في إضاعة الوقت بالسخرية من هذا وذاك، بل الحكمة تقضي بأن على كل فرد أن يجتهد في تحقيق ما يرغب فيه من علم ونجاح ومثابرة والذي يتطلب الشجاعة في مواجهة الظروف، وكذلك معرفة طريقة العيش الصحيحة من خلال البحث عنها وإدراكها بالعلم والعمل والعزيمة، أو محاولة توصيل الرأي بموضوعية أكثر بعيدا كل البعد عن طرق التهجم والتحقير، وتوصيل ما يرغب به الإنسان بطريقة واعية تخضع لشروط الاحترام والتوقير؛ لأن ذلك يعكس شخصية الفرد نفسه، وبذلك سيتجنب إهدار الوقت وإهدار النفس في هرطقات لا قيمة لها غير ضياع الوقت والطاقة.

وكل إنسان أصبح فيروس السخرية يجري بعروقه ستجده دوما في تربص لأخطاء الآخرين لتصيدها ولا يرى إلا النواقص وتوافه الأمور، وبذلك سيضيع جهده في مراقبة البشر وينسى النهوض بحياته ومحاولة تطويرها. لذلك وجب على كل إنسان اجتناب وعدم التهاون بأمر السخرية أبدا، وإذا قررت السكوت خوفا من السير عكس التيار فلن يمر وقت طويل حتى يتسلل الفيروس لجسدك ويكسر ذلك الاحترام و التعظيم والوقار لكل الثوابت والمقدسات والمعاني بداخلك.