رحلتنا صوب الفكرة الصحيحة

321

“الشخص الذي لديه فكرة خاطئة عن الحياة، ستكون لديه دوماً فكرة خاطئة عن الموت” ليو تولستوي.
كثيرة هي المشاعر والألغاز التي اختلجت صدر الإنسان وسكنت وجدانه عبر التاريخ، وبقي منها آثار في نفسه لم تفلح الفلسفات ولا الاجتهادات البشرية في إرواء ظمئه وقلقه الوجودي نحوها، ولئن ظلت الحياة على وضوحها واتساع أفق فهمها في أذهان البشر قاصرة عن التجلي الكامل للإنسان عبر عصور التاريخ الطويلة، فهماً لتقلباتها وسبراً لأحوالها وتغيراتها، ظل للموت ذات الوقع وأكثر بكثير في وجدان الإنسانية، وهو الغموض الذي يترجمه قول كونفوشيوس: “عندما لا ندري ما هي الحياة، كيف يمكننا أن نعرف ما هو الموت؟!”.

بقي هذا الأرق جاثماً على عقول البشر ممن لم يعرفوا حقيقة الرحيل، وما فتئ يطالعهم سؤال وجودي عن كنه هذا الأمر الذي يفنيهم وينهي مسيرتهم على هذه الأرض، عزيزهم وذليلهم، غنيهم وفقيرهم، ما حذا بالأمم والحضارات إلى ابتكار عادات وتقاليد رافقت مواكب الجنائز وأصبغت عليها أبعادا روحانية علها تطفئ جذوة السؤال في كيانهم، وقريباً من هذا التيه ذلك الذي قابلت به إديولوجيات العصر الحديث فكرة الموت، ولعل أكثرها غلواً الفلسفة الشيوعية بطرحها المادي الإلحادي الذي سعى إلى تشييء الإنسان وإفراغه من كل بعد حسي وشعوري، ما ينسجم وإنكارها لحقيقة الخالق سبحانه وتقريرها أن المادة أساس كل شيء، متناسية مبدأ الغاية والقصد في هذا الكون.

بين ركام تصورات كثيرة حول حقيقة الانتقال من عالم محسوس إلى آخر تضاربت حوله الرؤى والتوصيفات، جاء الإسلام بتصوره الخاص والسليم انسجاماً ورسالته الخاتمة التي توَجه الله بها إلى البشرية كافة على تنوع أجناسها وجغرافيتها، فلم يوجد معنى أعمق ولا أحسن في هذا النقاش من ذلك الذي جاء به هذا الدين؛ حيث عد الموت امتداداً طبيعيا لحياة أخرى اعتبرها الحياة الحقيقة، فقد خَلق نسقا ترابطيا بين هذه الحياة ونظيرتها بعد الموت، على اعتبار أن الأولى لها تأثير مباشر على الثانية فلاحاً أو خسراناً، ويزيد اتضاح نظر الإسلام اتجاه حقيقة الموت حين يسبغ عليه حمولة أخلاقية تجعل منه دافعا نحو تجويد الذات بخلاف من ينتظر الموت كنتيجة لا مفر منها فإن حل به كان حتفه وانتهى.

لعل ما يهمنا أكثر على أهمية ما ذكر هو وقع الرحيل على الإنسان كفرد، من حيث استعداده له ومشاهدة من هم في دائرة أحبابه وذويه وهم يتساقطون تباعاً، كمسبحة انفرط عقدها مؤذنا بدنو دوره واقتراب مصيره.

ليس منا من لم يفقد قريباً أو عزيزاً على قلبه أو شاهد وحضر جنازة أحد من المسلمين، ولو تحدث كل واحد عن تجربته حول هذا الأمر لاختلفت التصورات تبعا لاختلاف الأشخاص ومدى درجة وعيهم بمثل هذه المشاهد، فالقليل هم من يلتقطون الإشارات ويقفون على المعاني، فعلى الإنسان السوي على افتراض قربه أو بعده عن الله وعلى كثرة زلاته ووهناته أن يتخذ من الموت أستاذاً يعلمه أن النقص والزوال كامن فيه، فالشباب موت الطفولة والشيخوخة موت الشباب وبعد ذلك أو قبله بكثير يستلم تذكرة العبور إلى مرحلة جديدة بعد مرحلة عابرة.

مقالات مرتبطة

من جمالية التصور الإسلامي حول هذا الأمر أنه عمل على تهيئ الفرد المسلم نفسياً وروحياً استباقاً للحظة الوداع، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن ومضات هذه الجمالية أيضاً أن الله رتب للميت أجراً يلحقه في مقامه ذاك ويكون له ذخراً يصله ويرفعه عنده درجات، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو عمل ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))، وهو ما يبعث شعورا بالسلوى في قلوب ذويه، ففلسفة الإسلام فلسفة رحمة دائما قبل أن تكون فلسفة عذاب.

ما يهمنا أيضاً هو ترسيخ ذهنية الرحيل قبل الرحيل، رحيل الإنسان من سلبيته إلى إيجابيته، من ضيق أفقه إلى فساحته، من خموله إلى اجتهاده، من سطوة الأوهام إلى رحابة الحقائق، من التوافه إلى الأولويات، من ذهنية العتاب إلى ذهنية الثقة والاستعاب، من ضيق الدنيا إلى اتساع الآخرة، الرحيل بمعناه العميق الذي يتجاوز حدود المادة.

ليس من حقيقة الحياة ولا مكمن الاستخلاف في شيء، أن يعيش الإنسان مهادناً مستكيناً منهزماً منتظراً مصيره، فهذا من تمام الحمق وهو ما ينافي حقيقة الزهد وجوهر التعفف، فالإنسان خلق ليعمر هذه الأرض ويسعى من خلالها إلى عمارة آخرته، ومن ذلك أن يهدف إلى إشعال فتيل الحياة في وجدانه قبل فتيل الموت، وينذر ذاته خدمة لدينه وللإنسان، وأن يحب الخير لغيره، وأن يتجاهل من يكرهه ويكيد له، وأن يتواضع أكثر، وأن يتمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف))، وأن يتجلد أمام المدلهمات، وأن يوازن بين شدته ولينه، وأن يجعل الموت دافعاً له نحو الحياة، وأن يكفر عن سيئاته الماضية ويسعى للخير دائماً، وأن يغير نظرته عن الحياة وأن يضع دائماً صوب عينيه قول عمر رضي الله عنه: ((كل عمل كرهت من أجله الموت فاتركه ثم لا يضُرك متى مت)) وأظن أن هذا هو جوهر الفكرة الصحيحة التي يجب أن نرحل صوبها، وذلك حتى لا أتجاسر على تفسير قصد ليو تولستوي من منظور إسلامي.

بهذا إذا لا يملك الإنسان إلا أن يهون الطريق على أخيه الإنسان ويعمل على تلافي أخطائه، فركب الحضارة يحتاج طينة من الرجال والنساء يحذوهم تحقيق المجد على هذه الأرض وأعينهم تتطلع إلى السماء، والسير على بصيرة هو شعار الفرد المسلم، فلا المدنيات الحديثة ولا سطوة العولمة ونظيراتها قادرة على تغييره أو إذابته في قوالب جافة تزيغه عن معرفة مبدئه ومنتهاه.

“الإنسان لا يتحمل الألم إلا من خلال إيمانه بشيء ما يتجاوز ذاته الضيقة.” عبد الوهاب المسيري.