العناية التلطيفية؛ قيمة الطب المفتقدة

322

أثارني كثيراً ما تناوله آتول غواندي في كتابه “لأن الإنسان فانٍ؛ الطب وما له من قيمة في نهاية المطاف” حول ما يسمى في الطب بالعناية التلطيفية، وهي الخدمة التي تقدِّمُ للمريض لحظة الوصول إلى مرحلة استحالة العلاج، ظروفاً مواتية للموت بسلام. قد يظهر الأمر غريبا، لكنها عملية جوهرية تعطي للإنسان فرصة اختيار أولوياته لموته ولما بعد موته!

الإثارة انطلقت من أن مشكلة الطب كما هو معلوم ترتكز على الاهتمام بالصحة الجسدية دون الالتفات إلى حياة الروح، خصوصا بالنسبة للمسنين الذين شارفوا على الموت، أو المرضى بالسرطان، الذين يعيشون جحيم العلاج الكيميائي؛ حيث أصبحت حياة المقبلين على الموت منحصرة في السلامة، وطلب الأمان من طرف العائلة وشركات التأمين؛ أتحدث هنا عن الغرب الذي يفكر في هذه الحماية!
تغيرت اليوم هذه المعادلة في الغرب، وأصبحت شركات التأمين نفسها تقدم هذا النوع من المساعدة والعناية لمنخرطيها، ضمن خدمات انتشرت بشكل واسع جدا، وتستخدم فيها جميع الوسائل المريحة، والتي تغني عن العلاجات المرهقة ماديا ومعنويا.

التناقض الصارخ، حين ننتقل من ضفة الأمل، إلى ضفة الألم؛ حيث تبرز عندنا هذه العناية التلطيفية في رائحة الكافور الذي ينبعث من جسد الميت، ليلاطف وجه المريض عندما يضع قدمه الأولى في المستشفى طمعاً في علاج مستحيل.
حين يلج هذا المريض مستشفياتنا، يحقن بالهواء، ويوضع فوق سرير مهترئ وسط عشرات المرضى، وداخل حجرة مختنقة بالجراثيم وروائح الأدوية الكريهة…كان المريض مريضا، فأمسى…!

لا يوجد علاج! جملةٌ مباشرة لا تخرج من أفواه الأطباء؛ هي الجملة الوحيدة التي لا يرغب الأطباء في قولها؛ لأنهم عاجزون أمام المرضى، محرجون وسط هذا الجحيم البارد، مع غياب تام لأدنى العلاجات، وفي أكبر المستشفيات الجامعية، حتى وإن وجد هذا العلاج، فإنه عندما يصل بالمريض لحظةٌ يستحيل معها عيشه، وأنه قد شارف الموت، يدخل في دوامة من الغدو والرواح، دون مراعاة لحاجته في عناية تحفظ ماء وجهه قبل توديع الحياة.
على الأقل؛ إن جملة: “لا يوجد علاج” قد ترحم هذا المريض فيذهب إلى بيته ليموت بين أهله وذويه! بدل استنزافه ماديا ومعنويا، وحرمانه من فرصة التفكير في ما وراء الموت، وكيفية قضاء آخر اللحظات، قبل توديع الحياة.

تحدثني طبيبة متدربة، عن لحظات من العناية “التعذيبية” التي تمر على المرضى الذين شارفوا على الهلاك، في مستشفى “خصوصي” خاص بالأمراض السرطانية، مريض شاب، بوجه شاحب، شبه ميت، تيبس جسده بتيبس الأمل، كانت تحدثه في إطار التتبع، لكن الحديث امتد ليعبر عن رغبته، بأن مهنة الطب كانت حلمه ليساعد الناس، لكن القدر اختار الموت على الحياة.

تكمل الطبيبة المتدربة؛ في الوقت الذي كنت فيه أستحي وأتألم من أن أرتدي رداءً ملونا على رأسي توقيرا لإحساسه العميق بالموت، لحالة يأسه، كانت لي زميلة لا تتعب أن تحضر كل صباح إلى المصحة، لغاية في نفس يعقوب، بل لا يمكن أن تحضر إلا بعد أن تسدل شعرها الطويل، وتضع خطا فوق عينيها، وحمرة على وجنتيها دون أن تنسى تمرير المرطب الملون على شفتيها، في لباس أقرب إلى العهر، ونكون سعداء إذا ارتدت حذاء رياضيا بدل كعب عال يصفعك حضورها بعطر قوي…هذا الامتلاء بالحياة، والفيض الغامر بها أمام شاب على مشارف الموت، صوته أقرب إلى البكم منه إلى الهمس…حياة مقابل موت…! ويسألونك عن العناية التلطيفية في مصحة خاصة، أما المصحات العمومية فحدثْ ولا حرج!

فقدان الإحساس شعورا بالمريض، دليل على موت القلب، فالحد الأدنى من الاحترام يرتصف في مقابله حد أكبر من الإجرام!يستيقظ طبيب أطفال من نومه، يطعم أطفاله، ويودعهم في اتجاه المدرسة…يحمل محفظته ويتوجه نحو المستشفى الذي يعمل به، تستقبله أم وطفلها الذي ارتفعت درجة حرارته فوق المعتاد، والتي قد تسبب في “الاجتفاف”…ينظر إليه، ينفحصه، ثم يلهيه بتفاهة، ويرسله إلى حجرة عفنة..! حياة مقابل موت! لا أريد أن أسقط في التعميم، لكن اعترافنا بضعف هذا الذي تقدم ناقص، وأن قيمة الإنسان وإنسانيته قد نزفت كثيراً.

أتذكر خطبة بعنوان: “الموتى يتكلمون”، تحدث فيها الدكتور عدنان إبراهيم عن وجود أجهزة الصعق الكهربائي معلقة في شوارع إحدى المدن الغربية احترازا، وتفاديا لأي حالة حرجة قد تحصل في الشارع العام لأحدهم، وقد يؤدي الأمر بذلك إلى وفاته…وتحدث أيضا عن الإمكانيات التي تسخر إذا مات أحدهم سريريا في حادثة سير مثلا حتى يعيدوه إلى الحياة!

في مقابل هذا الذي تقدم، وبعد انتهاء هذه المحاضرة، قلت: كم شخصا قُتل في مستشفياتنا، لأننا سلمنا بكون الشخص إذا مات سريريا لا أمل في عودته إلى الحياة، ومن ثم نقول لذويه؛ خذوه إلى الثلاجة، ولي من القصص في هذا الصدد ما تقشعر له الأبدان، وهي موثوقة موثقة.

إثارة واحدة جعلتني أتيه في دوامة من الأسى الذي يدمي القلب…مع العلم بأن أمر العناية التلطيفية بسيط للغاية، فحين ننظر في تاريخنا الإسلامي المتعلق بالمارستانات نجد أن العناية التي كانت تولى للمرضى غاية في السمو…يحتاج المريض اليوم؛ المشرف على الموت، إلى ابتسامة، ومراعاة، ومواساة، تضامن مقدر، يغير الكثير، ويغني ويحيي الأمل، ويعطي للمريض فرصة التفكير في ما بعد الموت، ليهيئ نفسه وروحه لمغادرة حياة أنصفته على الأقل في أكثر الأوقات قسوة.