موسيقى الكتابة

418

تلك الترانيم المختبئة خلف الحروف، وتلك الألحان التي تعزفها الكلمات على الرفوف، بنوتات صغيرة عند كل فاصلة أو نقطة وقوف، تصنع للجمل أنغاما سحرية على السطور وبين الصفوف لتكتمل المقطوعة بموسيقى خارجة عن الاعتيادي والمألوف، مزينة بمعاني أسمى وأعمق مما هو متداول ومعروف، تلك المعاني التي ولدت من رحم الإبداع مكتملة الوصوف، متشكلة بنضج بين تعقيد التفاصيل وبين قسوة الظروف…أجل إنها موسيقى الكتابة التي لا يستطيع إدراكها سوى قارئ شغوف.

منذ أبحرت في بحر الكتابة بعمر التسع سنوات حتى الآن وأنا على مشارف العشرين من عمري، وقاربي الصغير لازال يتهاوى بين أمواجها ينشد مستقرا بين أحضانها، متشبثا بحلمه القديم بأن يصبح يوما ما سفينة عتيدة تسبر أعماق هذا البحر الأدبي وتكتشف خباياه وأن تصبح تلك الطفلة على متنه يوما ما بحارة ومغامرة أدبية مقتدرة، تستطيع حكاياتها وقصصها إسعاد القراء وزرع القليل من بذور الأمل في الأجواء، وأن يصنع ما يخط قلبها بالحبر على الأوراق فرقا دائما، وأن ترقى بالكتابة لدرجة أن تجيد خلق كلمات كالدواء تستطيع الشفاء…أن تحكي وتحكي على الورق بدون نهاية مستمدة إلهامها من كل شيء جميل في هذه الحياة، من التفاصيل والمشاعر ومن الواقع والخيال متسلحة بسلاحها الوحيد في هته المغامرة الطويلة وهو فضولها المتقد حول كل شيء، ذلك الفضول القديم قدم خطواتها الأولى على درب الحياة، أن ترفع أشرعة الإبداع عاليا وتبحر ببوصلة الأمل بحثا عن الأشياء المختلفة والنادرة الوجود وبحثا عن الحقائق والمعاني في كل ما هو موجود.

أجل كان هذا طموحي الصغير منذ الطفولة، لكن عندما أفكر في السبب الذي جعلني أختار ذلك الحلم وعندما أعود إلى الماضي داخل مفترقات ذاكرتي لأعرف الجواب الرئيسي، أجد شيئا ظريفا وطفوليا لا يحتمل أن يكون سببا مقنعا لقررا جاد كهذا،  قرار أن تكون الكتابة بالنسبة لي نمط حياة وليس مجرد هواية أو وسيلة للتسلية فقط، شيء يتكرر كل يوم أحيا به، وأتنفسه، وأتغذى عليه، وأعيش به ومن أجله، كإدمان حلو يرافقني في كل اللحظات المختلفة، عند سعادتي، وحين حزني، وفي تقلبات مزاجي خلال نجاحاتي المتتالية، ومع كل انكساراتي المستمرة عند فقدي وحين فوزي، كل شيء قابل للكتابة أو بالأحرى قابل للحكي على الورق بدون رقابة، وبكل صراحة أتحرر من كل الأثقال وأدعها تتلاشى لتتسرب من قلبي وعقلي نحو حضنهم، وكأنهم أصدقائي الأوفياء -الحبر والورق-، ومنذ الطفولة يعرفون تفاصيلي وأسراري وكل الأمور أولا بأول، أحكي لهم وعنهم وأداعب الأقدار بين أحضانهم، أسخر من قسوتها مرة وأطبطب على نفسي في أخرى، وأخط الأحزان بجبر أسود وأبثهم الأشواق لأتخلص من كل شيء بعد إغداق الحبر وطمس بياض الأوراق بمشاكسات أفكاري ومشاعري، وصولا إلى نهاية آخر مقطوعة من موسيقى الأفكار التي تمطر بغزارة داخل عقلي مع أول مسكة للقلم، لتنهمر كشلال من الحبر وتملأ المكان هنا بفائض المشاعر بالحقائق، والذكريات والفضول وبكل الأشياء التي تتزاحم داخلي وتتكدس مع مرور الزمان.

مقالات مرتبطة

الطريق إلى كابول

اختيار ناضج

تعلم أن تقول لا!

أتذكر الآن نقطة البداية في بحر الكتابة وتلك النوتة الأولى في موسيقاها وذلك السبب الطفولي الذي قادني بطرقة ما إلى إدمان عزفها منذ تسع سنوات، عندما كنت طفلة شغوفة بالحياة فضولية وكثيرة الأسئلة تماما مثل أخي الذي يكبرني، وأظن أن الأمر كان يتعلق بالجينات، جيناتنا المتعطشة للمعرفة والتي يغلب عليها طابع الفضول لذلك لم يكن هناك خيار أمام والدينا سوى أن يجدا لنا حلا ليتخلصا من إزعاجنا المستمر وأسئلتنا التي لا تنتهي، والتي غالبا ما تكون محرجة لهما، ففي الأغلب لم يستطيعا الإجابة عن كل شيء، خصوصا تلك الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الأطفال ببراءة وتواجه في مجتمعاتنا بالقمع، لكن ولحسن الحظ فقد حظينا ولفترة على الأقل بأم وأب متفهمان قررا معالجة فرط الفضول والتساؤل لدينا بالكتب، وإشغالنا بالقراءة لتشجيعنا على البحث بأنفسنا عن الإجابات، وهكذا بدأت أول خطوة في طريقي نحو الكتابة وهي القراءة أولا… أجل بدأت بالتهام القصص الصغيرة ومجلات العربي الصغير آنذاك، بينما كان جزء كبير من ميزانيتنا العائلية يذهب في اقتناء النسخ والإصدارات الجديدة كل شهر وملء مكتبتنا المتواضعة، لكن هذا لم يشكل مشكلا بالنسبة لوالدينا لأنه وأخيرا خلصهما من إزعاج مشاغبين في البيت وأراحهما قليلا من الإجابة عن الأسئلة المحرجة، من قبيل ذلك، السؤال الذي طرحته يوما على أمي وأنا بعمر الأربع سنوات أثناء وجود بعض الضيوف وحين عودتي من منزل الجيران بعد رؤيتي لصغار قطتهم المزدادة حديثا وقلت بكل براءة:
-أمي قطة الجيران لديها سبع قطط صغيرة صغيرة جدا ويشبهونها، فاطمة تقول إنها أنجبتهم البارحة، أمي هل القطط تلد أيضا، أمي كيف تلد القطط أريد رؤيتها، أمي من أين تأتي القطط، أميييي…أمي سأذهب لأسأل أبي…
-تعالي إلى هنا، إن الله يمنحها كنعمة…إنها تأتي كما تأتي جميع الكائنات…
-آه هكذا…سأخبر فاطمة…لكن أمي من أين نأتي نحن…مثلا من أين أتيت أنا…هل أنا أيضا أتيت مثلها كنعمة…
ضحك الجميع بينما ابتسمت أمي في وجه الضيوف وقالت بفكاهة متداركة الإحراج المتولد للتو:
-ههه براءة أطفال…أجل يا ابنتي الكل يأتي بنفس الطريقة…هيا اذهبي لتلعبي معهم.

هذا نموذج بسيط من الحقيقة المرة التي كانت أمي الحبيبة تعيشها بسببنا، إحراج وإحراج، ودائما ما تحلو لنا الأسئلة إلا أمام الغرباء والضيوف، حتما كنا مزعجين…ولحسن الحظ أن كلا أبوينا كانا واعيين بأن هذا الفضول يلزمه فضاء مناسب للملء، فأغدقانا بالكتب منذ صغرنا…وحمدا لله أنهم فعلوا وساهموا في تشكيل أول درج في سلم شغف الكتابة بالنسبة لي…أما باقي الأدراج فقد صنعها لي القدر ولازال يشكل تفاصيلها إلى اليوم…ويضع لي ألحانا مختلفة في كل مناسبة، وعند كل منعطف في متاهة حياتي المليئة بالمنحدرات المفاجئة والارتفاعات المتواضعة، لأعزف ترانيمها على الأوراق وتستمر يدي بحارة أدبية بعزف موسيقي الكتابة وإرساء الألحان والمعاني على السطور بكل شغف وسرور.