وطنية الكرة

697

مما يميز فصل الصيف، بالإضافة إلى كونه فصلَ عطلةٍ واستجمام لدى أغلب الناس، أنه تقام فيه الكثير من المسابقات الرياضية الدولية الكبرى، وخاصة مسابقات كرة القدم باعتبارها اللعبة الأكثر شعبية في العالم. ومع كل مسابقة قارية أو دولية يُشارك فيها المنتخب الوطني الأول يَطفو على السطح نقاشٌ حول ضرورة تشجيع الفريق وتحفيزه. غير أن البعضَ يُبعد النَّجْعة أكثر فيَرى أن من لم ينخرط في هذا التشجيع يُعاني مشكلا في ولائه الوطني.

وهنا يمكننا أن نتساءل، دون أن نقع في فخ استعمال لغة تثير العواطف الجياشة، هل تشجيع منتخبنا الوطني ينبع حقا من حبنا للوطن؟ ألا يجدر بنا أن نحدد أي “حب للوطن” نقصد؟ أليس مفهوما فضفاضا؟ بل أليس مفهوم الوطن نفسه مفهوما سياسيا، تتحكم فيه الاعتبارات والمصالح السياسية؟ والاعتبارات السياسية ليست بالضرورة إنسانية، ولا تكون موافقة بالضرورة للحقيقة على أرض الواقع. فهل الوطن -المغرب في هذا السياق- هو الرقعة الجغرافية التي تحدها الجزائر شرقا والمحيط الأطلسي غربا، والبحر الأبيض المتوسط شمالا، وموريطانيا جنوبا؟
ثم أليست هذه الخطوط حادثةً، وموروثة عن الاستعمار؟ أليس صحيحا أن الناس الذين يعيشون في مناطق مطلة على الحدود، كمغنية مثلا، لا يستشعرون بأهمية هذه الخطوط السياسية؟ ألم يخرج مئات من المغاربة إلى الحدود ليُشاركوا الجزائريين فرحتهم بتأهل منتخب بلادهم إلى المربع الذهبي؟ ثم السؤال الأهم: ما العلاقة بين تشجيع فريق لكرة القدم وبين الوطنية، وتقييم ولاء الناس لوطنهم؟!

طبعا هذه المقدمة وهذه التساؤلات القصدُ منها إثارة الفضول لدى القارئ، ليتأملها ويُعيد التفكير فيها، وإلا فهذا المقال لا يدّعي لنفسه تقديم إجابات عنها، وإنما غاية ما يحاول تقديم مقاربةٍ لعلاقة التشجيع في كرة القدم بالوطنية وتقييم ولاء المواطنين لبلدانهم. وبشكل أدق، يحاول أن يُبين زيف هذا الربط والتدليل عليه.
في الواقع، إنه وضعٌ طبيعي جدا أن يُشجع الإنسانُ منتخبَ بلاده وأنديته الوطنية حين يتعلق الأمر بالمنافسات القارية والعالمية؛ والوضع غير الطبيعي هو أن ينتقل المرء إلى تشجيع فريق أجنبي على حساب منتخب بلاده أو على حساب أندية بلاده. لكنّ الأمر ينبغي أن يقف هنا، وأن لا ينتقل إلى الربط الآلي بين هذا التشجيع وبين حب الوطن والولاء له؛ إذ لا نجد مبررا معقولا لهذا الربط؛ فيمكن أن يكون المرء خائنا للوطن، ناهبا لأمواله، مسهما في تخلفه، ومع ذلك تجده متعلقا غايةَ التعلق بالفريق الوطني، منتقلا إلى أي دولة يلعب فيها لتشجيعه، بل وقد تجده متعصبا له إلى أقصى درجة، دون أن يدل ذلك على مزيد حبٍّ للوطن لديه؛ لأن حب الوطن لا يظهر هنا وإنما يظهر في خدمته والإسهام في النهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيه.
ومن الواضح أن حرص وسائل الإعلام على إثارة مشاعر الوطنية في مثل هذه المناسبات غالبا ما تكون خلفها مقاصد وأغراض سياسية، فلا نجد شيئا أكثر تخديرا للشعوب فَيُنسيها همومَها ومشاكلَها أكثر مما تفعل كرة القدم، ولعل هذا يبرر، بوجه ما، المبالغ المالية الباهظة التي يتم رصدها للمنتخبات الوطنية، من طرف دُول تعيش أوضاعا اقتصادية واجتماعية في غاية الصعوبة. بل إنَّ عالم اللسانيات الأمريكي نعوم تشومسكي يَذهب أبعدَ من هذا، في مقولة منسوبة له، ويرى أنه في الأصل والبدء “تم ابتداع فكرة كرة القدم لتحفيز الوطنيات الزائفة” !.
نعم، زائفةٌ وطنيةُ أولئك الذين يذرفون الدموع ويشقون الجيوب حين يَخسر الفريق الوطني في تظاهرة قارية أو عالمية، ولكنهم لا يَتحرك فيهم عرقٌ ولا نبضٌ حين يتم انتخاب “فاسدين” “مجرمين” يَستنزفون الأموال العمومية من غير ما فائدة، ويَتحوّلون إلى سلطةٍ تشريعية في البلاد، والكثير منهم لم يُتم دراسته الأساسية، ناهيك عن أُمّيته الـمُطْبِقة في مجال القانون؛ فكيف يَتحول وصيّاً على مصير الأمة وتشريعاتها مَن هذهِ حالُه؟!
نعم، زائفة هي وطنية أولئك الذين يُقيمون الدنيا ولا يُقعدونها إذا خسر الفريق الوطني، لكنهم لا يُحركون ساكناً وهم يَرون مصير الوطن ومصائر الأجيال القادمة تَضيع، وتتعرض لأكبر المخاطر، نتيجةً لهشاشة التعليم الأساسي (الابتدائي والإعدادي والثانوي)، وللغياب المطلق للبحث العلمي ودعمه وإرساء تقاليده وأخلاقياته في الجامعة المغربية.

نعم، زائفة هي الوطنية التي تُؤدي إلى تخريب ممتلكات الغير بدعوى الغضب بسبب خسارة الفريق الوطني، ولا تؤدي بالمثل إلى الغضب والقلق على مصائر آلاف التلميذات في جبال الأطلس، وفي القرى النائية في المغرب العميق، واللواتي لا يَجدن ما يَنتعِلْنَهُ، ولا ما يكتسينه ويَقِينَ به أنفسهن من شدة البرد، واللواتي يَنقطعنَ عن المدرسة طولَ موسم الأمطار، ويُغادرْنها نهائيا قبل الحصول على شهادة نهاية الدروس الابتدائية، ويَتفرغنَ مباشرة للرعي وللمسؤوليات الأسرية ومساعدة أمهاتهن قبل الانتقال إلى بيت الزوجية وهن بالكاد يُتمِمْنَ السن القانوني للزواج!
نعم، زائفة هي الوطنية التي تتحسّر على نهاية جيل في الفريق الوطني دون أن يحظى بلقب قاري يُخلّدون به أسماءهم ضمن لائحة الأسماء الذين حملوا القميص الوطني، ولا تتحسر على ضياع حياة أجيال من أبناء هذا الوطن، والذين لم يَجدُوا فرصةً لإتمام دراستهم. وما ذلك إلا لأنهم وُلدوا لعائلات فقيرة، وفي مناطق نائية، يَلزمهم الانتقال إلى المدينة الإقليمية أو مدن أخرى بعيدة لإتمام دراستهم، وذلك يستلزم نفقات عدة، هم لا يمتلكونها، فيَضطرون مكرهين إلى مغادرة الدراسة نهائيا، والتحول عوضا عن ذلك إلى امتهان حِرَفٍ لا تُدرُّ عليهم إلا معيشهم اليومي أو تكاد، وهو ما يجعلهم في وضعية اجتماعية مزمنة، سمتها الأساس الهشاشة والفاقة!

وكم هو مؤلم أن تعلم أن الكثير من هؤلاء الذين يتم توزيع المساعدة الموسمية عليهم من أغطية وقوالب من السكر وبعضِ المواد الغذائية الأساسية الأخرى، هم في الأصل هؤلاء الأطفال الذين لم يَحظَوا بفرصة التعلم، ثم فجأة وجدوا أنفسهم أمام مسؤوليات زوجية وعائلية من غير تحصيل الباءة المالية اللازمة، ومن غير أن يكون لهم من الوعي ما يمنعهم من الإكثار من الإنجاب في أقل الأحوال.
أحيانا، يحدث أن أصادف مشهد أطفال، وهم يرددون النشيد الوطني بكل ما أوتوا من قوة صوت. أشعر بانقباضة في قلبي، وبتحسر أقول في نفسي: هؤلاء الأطفال الذين يتحمسون جدا للنشيد الوطني قد يتحولون غدا إلى حالمين بالهجرة، وكارهين للوطن، ما لم نُسرع في إصلاح ما يمكن إصلاحه، وما لم نوفر البيئة الإيجابية والصحية لصقل مواهب مَن لهم مواهب من هؤلاء!
وانظر، عزيزي القارئ، إلى تشكيلة الفريق الوطني الحالي، ستجد أن هذا الفريق مكوَّنٌ حصراً من أبناء المهاجرين المغاربة والمقيمين بالخارج، صحيح أن هؤلاء أيضا مغاربة، ولهم كل الحق في حمل القميص الوطني، لكن خلوص المنتخب الوطني لأبناء المغاربة المهاجرين يُذكّرنا بتخلفنا في كل القطاعات، بما فيها القطاع الرياضي. فهذا الوطن لا يُعاني من عقمٍ في المواهب، بل ما أكثرَ المواهب في صفوف أبنائه، لكن أين التوجيه؟ أين العناية؟ أين المواكبة؟ أين مدارس التكوين؟ أين الدعم اللازم لتلك المواهب؟ لا شيءَ من هذا موجود، ويزداد الطينُ بِلّةً في غياب الوعي لدى الآباء في ضرورة الاستثمار في تكوين أبنائهم وصقل مواهب مَن ظهرت علامة من علامات النبوغ في أي مجال من المجالات.
نعم، رائع جدا هو مشهد آلاف المغاربة وهم يُرددون النشيد الوطني في بلد أجنبي، داعمين ومشجعين للفريق الوطني؛ نعم، ساحر هو المنظر الذي شاهدناه في كأس العالم الماضية في روسيا: منظر الجمهور المغربي وهو يغطي كل جنبات ملعب لوجينكي في العاصمة موسكو، في مباراة المغرب والبرتغال. لا يمكن إلا أن يَقشعرّ جلدك وأنت ترى تلك الأهازيج، وذلك الحماس، وتلك الروح والشغف. ويَبعُد في العقل أن يَجحد أحدٌ روعة ذلك المشهد وجماله، وكان ليكون أروع لو فُزنا في تلك المباراة!

لكن، أين يختفي ذلك الحماس والشغف والحركية فجأة؟ لِـمَ لا يتحول إلى ميادين أخرى؟ حين نُطالب بمحاسبة المسؤولين على الإخفاق في مسابقة رياضية، أليس الأجدر بنا أن نطالب بالمثل بمحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية الكثيرة؟ إن وطنيتنا تغدو أكثر جدّية وأكثر مصداقية حين لا تَتبعَّض، وحين تكون أكثر عقلانيةً، لا عاطفية انفعالية لحظية. والحقيقة أن هذا الولع بكرة القدم لا يُمكن أن يكون مؤشرا إيجابيا؛ لأن المرء لا يتأثر بكرة القدم إلى درجة تُفقده صوابَه وعقلانيته إلا إذا كانت كرة القدم هي كل شيء في حياته؛ أما الذين لهم مسؤوليات أكبر، واهتمامات أخرى أكثر أهمية في حياتهم، فإنهم إذا تتبعوا مباراة في كرة القدم واستمتعوا بها، ينتقلون بُعَيْدَها إلى أمور أخرى، ولا يقضون الليالي وهم ينتحبون على ضياع ضربة جزاء، وهي ضربة حظ، كَم ضيعها كبار اللاعبين في العالم! فضلا عن أن يَنزلِقوا إلى سب هذا اللاعب أو ذاك بسبب ذلك.
إن الكثير ممن يتصرفون على هذه الشاكلة لا يَفعلون ذلك غضبا وحزنا على خسارة الفريق الوطني، ولكن لأنهم سيعودون إلى واقعهم المر، وقد كان من شأن الفوز أن يُنسيهم إياه، ولو لبُرهةٍ من الزمن. فالكرة بالنسبة هي وسيلة لتفريغ شحنات سلبية، وهي خلاصها من ضغوطات الحياة، وهو يعول عليها لإنقاذه من الفراغ القاتل والروتين اليومي الممل، وحين لا تأتي على وَفق ما يريد تتوتر أعصابه ويفقد رُشده.
طبعا، يجب أن يكون لدينا فريق وطني مُحترم، وكي يكون هذا الفريق محترما يجب أن توفر له الظروف اللازمة، لكن في حدودٍ تتناسب مع إمكانيات هذا البلد، ومع حجم ثرواته وقدراته المالية والاقتصادية، وليس أن ننفق بسخاءِ مَن لا يَخشى الفقر في كرة القدم، فإذا تعلق الأمر بمجالات أخرى أكثر أهمية وحاجة وتأثيرا في حياة المواطن العادي أصبحنا أكثرَ بخلاً من “مادر” -رجل تَضرب به العربُ المثلَ في شدة البخل-! وكان ينبغي أن يحدث العكس، ولكن الأمور قد انقلبت، وصار الذيلُ رأساً.

لنتساءل بكل هدوء: ماذا يَستفيد المغرب حتى لو فاز بالبطولة، إذا كنا وجّهنا جزءا كبيرا من الاعتمادات المالية التي كان يجب أن تخصص للقطاعات الاجتماعية -الصحة والتعليم- إلى توفير الرفاه للمنتخب الأول. ولا أقول إلى المجال الرياضي؛ لأن التركيز كله في الواقع، ومن أسفٍ، منصبٌّ على الفريق الأول لكرة القدم وحده، ولا أحد يهتم بالمجالات الرياضية الأخرى، ولا أحدَ يهتم بالأندية الصغرى، ولا أحد يهتم بمدارس التكوين بالأندية الوطنية؛ ولأجل هذا نجد الفريق الوطني لا يَضم ولا لاعبا واحدا من البطولة المحلية! وهذا أغرب من الخيال؛ إذ ما فائدة هذه البطولة وكل الأموال التي تُنفق إذا كانت لم تستطع أن تُنجب وتخرِّج لنا لاعبا واحدا مؤهلا لحمل القميص الوطني والدفاع عنه بكل كفاءة وشراسة؟
إن هذه الوضعية التي وصفتُ هي ما يمنع من التساؤل: لماذا يَحلم أبناء هذا الوطن بالهجرة إلى الخارج؟ لأن الجواب بديهي: بحثاً عن الفرص، وبحثاً عمّن يعترف بمواهبهم ويهتم بها ويوفر الظروف اللازمة لصقلها وتنميتها.
وعلى سبيل الختم، أريد أن أزيد كلامي وضوحا، وأقول: إنني لستُ، ولا يمكن أن أكون، ضد كرة القدم؛ لأن كرة القدم، اليوم، مهمة، وهي بوجه من الوجوه تُسهم في تقوية الإحساس بالانتماء، وفي الشعور بالفخر وأنت ترى عَلَمك الوطني يُرفع خارج الوطن، وحين ترى أبناء بلدك يحظوْن بالشكر والاعتراف والتصفيق في محافل دولية؛ لأنهم أحسنوا التمثيل؛ وكرة القدم مهمة لأنها تنمي فينا إحساس الشغف، وهي قبل ذلك وبعده مجال للاستثمار إذا أحسَنّا الاستفادة منها. ولكنها، -وهذا يجب التأكيد عليه-، ليست علاجا لكل داءٍ، بل ليست علاجاً لأي داء. ولن يُصلحَ العطارُ ما أفسده الدهر!.