{لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} بين الاستسلام والتحامل

341

“لا یكلف االله نفسا إلا وسعها”، هذه الآیة الكریمة التي عادة ما نُعلق بها على نفاذ بطاریتنا من الصبر والتحمل، أو عندما یشتكي لنا صدیق من صعوبة الظروف التي یواجهها، والتي قاربت على قصم ظهره، فنُجیبه من باب المواساة: لا علیك فاالله لا یكلف نفسا إلا وسعها. فما هي الدلالات التي تحملها هذه الكلمات الإلهیة التي نستحضرها في العدید من تحدیات الحیاة؟

نستحضر الآیة الكریمة “لا یكلف االله نفسا إلا وسعها” في سیاقین مختلفین تماما، السیاق الأول: عندما نرى أننا قدَّمنا كل ما كان بإمكاننا تقدیمه ولم نعد نستطیع تحمل المزید…إننا قاب قوسین أو أدنى من السقوط…لقد استنزفنا كل طاقتنا وقدمنا أفضل ما عندنا…هذه هي ذروة قوتنا والله شاهد على ما نقول.
هو یعلم أننا لم نتكاسل ولم نتهاون ولم نقصر في أي شيء…طرقنا جمیع الأبواب وبحثنا عن كل السبل الممكنة…لا نقوى على المزید، فذلك خارج نطاق قدراتنا. في هذا السیاق، یأتي الاستشهاد بهذه الآیة في صیغة استسلامٍ مشرفٍ بطعم الإنتصار، مادام االله لا یكلف نفسا إلا وسعها.

وفي سیاق ثانٍ ومخالف تماما عن السیاق الأول، نستحضر هذه الآیة العظیمة في إطار منظور تعظیمي للمحنة التي نجتازها ولما في ذلك من تعظیم للمُمتحَن أیضا؛ فاالله لم یضع الشخص الفلاني في هذا الاختبار بالتحدید إلا لعلمه التام أن بمقدور ذلك الشخص النجاح فیه، یعلم الله أنك صاحب شأن عظیم ولك من الصلابة والحكمة ما یُؤهلك للفوز في هذا التحدي دون الآخر.

تخیل أن الله عز وجل بجلال عظمته یراهن على كفاءتك ویؤمن بك، ویثق في أنك ستتجاوز المحنة الفلانیة بجدارة واستحقاق!
أتدري ماذا یعني أن یؤمن خالق الكون الجبار العظیم بك؟ واثق من أنك تستطیع فعلها…نعم، ستجتاز تلك المرحلة وتلك العقبة مهما كانت شدة صعوبتها، ومهما بدا لك الأمر مستحیلا كان عند الله ممكنا لأنه وببساطة “ذلك الاختبار خلق من أجلك”. كل هذا یعني أنك عالم صغیر عظیم وقوي بروح الله العظیمة والقویة التي نفخ منها فیك.

بین الاعتقاد أن هذا هو كل ما بوسعنا فعله، والإیمان أنه لازال بوسعنا التحمل، على الإنسان أن یحدد موقفه من صعوبات الحیاة. هنالك صعاب لا یمكننا تقدیم المزید إزاءها عدا تقبل محدودیة طاقتنا كبشر، بینما هنالك أمور علینا أن نظل یقظین لها، فلا ترفع رایة الاستسلام مبكرا وحاول مجددا لعلك تكون قریبا من حسمها. تذكر أنك قوي ذو همة في شؤون، وحصان ذو فجوة في أمور أخرى، لا تنحز لفكرة القوة الدائمة ولا للضعف المطلق. ومهما كان الحمل ثقیلا على عاتقك، اعلم أن الله لن یكلف نفسا إلا وسعها…إنك تقدر.