العقل ودوره المشرق في تحقيق الكرامة الإنسانية والرقي الأخلاقي

161

كل إنسان سالم الفطرة قوي التفكير ذو تحليل ما هوي للأشياء يدرك أن إنسانية الإنسان إنما تكون بروحه لا بجسمه، وأن الجسم ليس إلا آلة لاستكمال النفس الإنسانية، وقد أثبت الحكماء بالبرهان أن روح الإنسان مجردة عن المادة والماديات، ومتعالية عن الجسم والجسمانيات، وأنها من سنخ عالم الغيب والملكوت، وأنها من روح الباري تعالى مبدأ الوجود, كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم.

كما أثبت الحكماء أن القوة العاقلة هي أشرف قوى النفس الإنسانية، وأنها مجردة عن المادة في نفسها، وأنها باقية ببقاء الروح، وبعد الموت وفناء الجسم، فالعقل في الحقيقة هو من اللوازم الذاتية للنفس الإنسانية التي لا تنفك عنها أبدا، ووزيرها المفكر والمدبر، والذي من خلاله تكتسب النفس كمالاتها النظرية والعملية، التي هي محصول عمر الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وذخيرته في الآخرة وسنبين الدور المشرق والمصيري الذي يلعبه العقل بشقيه النظري والعملي في ارتقاء الإنسان وتكامله، وتحقيق كرامته وسعادته الحقيقية:

أ- دور العقل النظري: إن العقل النظري في نفسه ناظر إلى عالم الغيب، مستفيض منه العلوم والمعارف العالية، وأنه هو المدرك للمعاني الكلية العامة بنفسه، وسائر المعاني الجزئية بالاستعانة بالحس والخيال، وسنحاول أن نغوص أكثر في تفاصيل فاعلياته، لنكشف عن دوره الهام في حياة الإنسان وتحصيل كماله العلمي والفكري، وبأسلوب بسيط بعيدا عن التعقيدات المنطقية والفلسفية التي يتعرض لها البعض في هذه المباحث:

أولا: إدراك المفاهيم البسيطة الفطرية التي يحصل عليها بالتحليل العقلي والإمكان والوجوب والإستحالة، وكذلك العدالة والحرية والكرامة، وغيرها من المعاني البديهية، والتي تعتبر المبادئ الأولى لتصور الأشياء وتعريفها تعريفا واقعيا.
ثانيا: إدراك القضايا البديهية الفطرية التي يكتشفها باكتشاف العلاقة الرابطة بين طرفيها، كقضية امتناع اجتماع النقيضين، وأن الكل أعظم من جزئ، ومساو المساوي مساو، وأن الحوادث تفتقر إلى أسباب واقعية، وأيضا كحسن العدل وقبح الظلم، وحسن الصدق وقبح الكذب، وحسن الأمانة وقبح الخيانة، وغيرها من القضايا الفطرية التي تعتبر من مبادئ سائر الأدلة العلمية البرهانية في الحكمتين النظرية والعملية.
ثالثا: الاستدلال العقلي بتأليف هذه القضايا البديهية البينة مع بعضها البعض في صور قياسية واضحة، واستنتاج نتائج صحيحة تصلح لأن تكون مقدمات لبراهين أخرى، لنستنبط منها نتائج أخرى تدخل في براهين أخرى، وهكذا تتوالد النتائج والبراهين، وعلو صرح المعرفة الإنسانية على أساس واضح ومتين وموضوعي.
رابعا: بناء الرؤية الكونية الواقعية عن الإنسان والعالم والمبدأ والمعاد، والتي ترسم للإنسان فلسفة الوجود والحياة في هذا العالم، وتجعل لحياته هدف ومعنى، وهي تمثل أصول الفكر الإنساني وتعتبر من المعارف الضرورية والمصيرية للإنسان في هذه الحياة وما بعدها.
خامسا: تشكيل الإيديولوجية العملية المنبعثة من الرؤية الكونية النظرية، والتي تؤسس لقانون السلوك الأخلاقي والنظام القيمي الاجتماعي والسياسي، بحيث يسلك الإنسان على أساسه سلوكا منطقيا مستقيما وعادلا، يضمن له النجاح والاستقرار النفسي، وتتحقق على أساسه الحرية الحقيقية والعدالة الاجتماعية.
سادسا: التعرف على الدين الإلهي الأصيل، ومذهبه الصحيح وقراءته الواقعية السليمة، بعيدا عن الإفراط والتفريط، وذلك بانتخاب الدين والمذهب المطابق في مبادئه وأحكامه لأحكام العقل السليم، لا الذي ورثه الإنسان من آبائه وأجداده، أو اكتسبه من أعراف بيئته وعاداته وتقاليده، هذه الموروثات الاجتماعية التي غالبا ما تكون منشأ للتناحر المذهبي والصراع الطائفي، ومانعة من تحقق التعايش السلمي. ومن هنا يتبين لنا ان العقل النظري هو المصباح الذي ينير لنا الطريق في دياجير ظلمة الأفكار الضالة، والقيم الفاسدة، والدليل الوحيد في بيداء الحيرة والضياع، والمنارة القائمة على شاطئ السلامة وبر الأمان لراكبي الظنون والأوهام، وهو الذي يرسم لنا الهدف ويكشف لنا الطريق الطويل في هذه الحياة الدنيا وما بعدها.

ب- دور العقل العملي: أما العقل العملي فهو الوزير الأول للعقل النظري، والمفوض من قبله لتدبير المملكة الإنسانية على أساس قوانين العقل النظري الواقعية وتعاليم الشريعة الإلهية الأصيلة، المنسجمة مع الفطرة السليمة والطبيعة الإنسانية، ومكلف من قبله أيضا بالتصدي الحكيم والحاسم لأوهام القوة الخيالية والوهمية، وطغيان القوة الشهوية والغضبية، وفي النهاية تحقيق حالة الاعتدال والوسطية، بإعطاء كل قوة من قوى النفس حقوقها الطبيعية دون أي زيادة أو نقصان وإفراط أو تفريط. وسنقوم باستعراض أهم الوظائف التي يضطلع بها العقل العملي، ودوره الحساس والخطير في توجيه دفة سفينة الإنسان وسط هذا البحر المتلاطم في هذا العالم:

أولا: دوره في توجيه القوة الوهمية: تسعى القوة الوهمية بحسب طبيعتها إلى إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالصور الحسية والخيالية، كالميل إلى هذا الموجود وحبه، أو الخوف من ذلك الموجود وبغضه، وكذلك أنحاء العلاقات المختلفة فيما بينها، ولا يمكنها إلا إدراك هذه المعاني الجزئية المحسوسة، ورفض ما سواها من المعاني العقلية المجردة، ولذلك فهي دائمة النظر إلى العالم المادي السفلي، ولا خبر عندها عن العالم الغيبي العلوي، وتمانع العقل النظري في التصديق بأي اعتقاد كلي مجرد عن المادة، أو حتى مجرد البحث عما وراء الطبيعة من عوالم الغيب، حيث تسعى دائما لتجسيم أي اعتقاد ربطه بالزمان والمكان والحركة.
كما تسعى دائما لتسخير القوى النزيعة الشوقية والإرادية لتحريك الإنسان نحو تسخير عالم الطبيعة بما ينسجم غالبا مع رغبات القوى الشهوية والغضبية، لتحقيق المصالح على هذه القوة، وتوجيهها في خدمة الإنسان، وبحسب توجيهات العقل النظري، وبما لا يتنافى مع المصالح الإنسانية العليا، وذلك على النحو التالي:
أ- الاستفادة منها والاستعانة بالقوة المتخيلة في التجزئة والتركيب الهادف للصور الحسية والخيالية، وبمعونة القوة الشهوية الباعثة على تحصيل المنافع المادية، في تحقيق الاكتشافات العلمية الفيزيائية والرياضية والكيميائية، وتطوير شتى التقنيات الزراعية والصناعية بما يخدم ويناسب المصلحة العامة للإنسان في هذه الحياة، وبما لا يتنافى مع تحقيق العدالة الاجتماعية، وقد استطاع الإنسان على مر التاريخ تحقيق نهضة علمة صناعية كبيرة في مأكله ومشربه ومسكنه، ووسائل مواصلاته واتصالاته المختلفة، ببركة هذا التعاون الإيجابي بين العقل العملي والقوة الوهمية.
ب- الاستفادة منها والاستعانة بالقوة المتخيلة والغضبية، في دفع الأضرار المادية التي يمكن أن تهدد حياة الإنسان في هذا العالم، ولكن بالطرق والوسائل العقلية والمشروعة، وقد تمكن الإنسان بفضل هذا الأمر من تأمين نفسه وتحصينها ضد الكثير من الحوادث الطبيعية التي كانت تعصف به في الماضي البعيد.
ج- ردعها عن التدخل في شؤون العقل النظري الإدراكية، ومنعها من تحريف الأحكام العقلية البرهانية الواقعية، حيث تسعى القوى الوهمية دائما إلى تجسيم كل الإدراكات العقلية وحصرها في بوتقة المادة والزمان والمكان، حيث ينبهها بأمثلة قريبة منها على أن الموجود أعم من المحسوس وغير المحسوس، وأن أحكامها تختلف وتتباين في الكثير من الأحيان.
د- ردعها عن تسخير المتخيلة في أفعال عبثية خيالية لا نفع من ورائها، أو في استدعاء صور خيالية قبيحة تلبية لرغبات القوى الشهوية والغضبية، والتي قد تصبح مبادئ لأفعال قبيحة وغير مشروعة تتنافى مع القيم العقلية والإلهية، وذلك بتنبيهها على العواقب الوخيمة لمثل تلك التصرفات العبثية والمشينة، التي تتنافى مع الطبيعة الإنسانية.

ثانيا: دوره في توجيه القوة الشهوية والغضبية: إن العقل العملي يدرك وبإرشاد من العقل النظري أهمية الوظائف الحيوية والضرورية التي تقوم بها هاتان القوتان الحيوانيتان في دفع الإنسان نحو تأمين الحاجات الضرورية للبدن من الماء والغذاء واللباس والنكاح والمسكن، وفي دفع مختلف الأضرار المادية التي من الممكن أن تتوجه إلى جسمه، ولكنه يدرك في نفس الوقت أنهما لا تسعيان إلا لتأمين المنافع المادية والشخصية لصاحبها، دون المصالح المعنوية والعامة، حيث لا تأبه هاتان القوتان بهما، ولا تعيرهما أدنى اعتبار، إلا بما يعود منهما بالنفع المادي الخاص. ومن أجل ذلك يسعى العقل العملي لتوجيه هاتين القوتين بالنحو التالي:
أ- يوجه العقل العملي القوى الوهمية للتخطيط واستكشاف الأساليب والطرق العقلية والشرعية المناسبة لتلبية رغبات تلك القوتين، ويطلق العنان للقوى النزيعة والمحركة لتنفيذ هذه الأساليب التي تم استكشافها، والتصديق عليها من العقل العملي، من أجل تأمين الكمالات المادية الضرورية اللازمة للجسم. ب- يمتنع عن تلبية بعض الرغبات المادية الشخصية للقوة الشهوية والغضبية التي قد تؤدي إلى فقدان كمال موجود أهم، كتناول الأغذية اللذيذة الضارة بالصحة، وكشرب الخمر المؤدي إلى ذهاب العقل، أو الزنا المؤدي إلى ضياع المروءة والعفة، أو الجبن المؤدي إلى ضياع الشرف والدين. وكذلك الرغبات التي قد تؤدي إلى المنع من تحصيل كمال أهم، كالاستغراق في جمع الأموال ليل نهار، المانع من تحصيل العلم والمعارف السامية، أو أي فعل يؤدي إلى إلحاق الضرر بالغير بأي نحو من الأنحاء كالسرقة والاحتيال والضرب والقتل وسائر أشكال الظلم.

ثالثا: دوره في استنباط المعارف الجزئية الأخلاقية من المعارف الكلية للعقل النظري أو التعاليم الشرعية الإلهية: لقد سبق وأشرنا أن العقل النظري هو المدرك لسائر القضايا الكلية بنفسه والقضايا الجزئية بالاستعانة بالحس والخيال، أعم من أن تكون تلك القضايا نظرية متعلقة بما هو كائن أو عملية متعلقة بما ينبغي أن يكون عليه السلوك العملي ولكن إذا أردنا ان ندقق النظر أكثر، فالواقع أن العقل العملي الذي هو المبدأ الأول للفعل الاختياري، هو الذي يدرك القضايا العملية الجزئية من القضايا العملية الكلية التي يدركها العقل النظري، وذلك بتطبيقها على مصادقيها الخارجية، لأن العقل العملي بمجرد تصديقه بهذه القضايا العملية الجزئية، وأن فعلها كمال حقيقي للنفس الإنسانية، فإنه يكون باعثا لتعلق الشوق والإرادة بهذا الفعل وإيجاده في الخارج فعلى سبيل المثال، العقل النظري يدرك بنفسه أن العدل حسن في نفسه، فعندما يدرك العقل العملي أن إعطاء هذا الإنسان أجرة عمله، هو من حقه، فيدرك أن إعطاءه حقه هو من مصادق العدل، وهو حسن ينبغي فعله، فيحرك الإنسان بتوسط الشوق والإرادة نحو إعطاء هذا الإنسان أجره أو عندما يدك العقل النظري عن طريق الشرع المبين أن الخمر حرام، وفيه مفسدة، فينبغي تركه، فعندما يدرك العقل العملي أن هذا الشراب خمر، فيحكم بوجوب اجتنابه، فيحرك الجسم بعيدا عنه…

وهكذا يقوم العقل العملي بتحريك الإنسان على طبق القضايا العملية الجزئية المستنبطة من القضايا العملية الكلية المعقولة للعقل النظري مباشرة أو بتوسط الأحكام الشرعية المعلومة من الشريعة الإلهية الصحيحة، وهو من أشرف أدوار العقل العملي في حياة الإنسان. وهنا يتحصل الإنسان على كرامته الحقيقية بعيدا عن الأوهام والخيالات الباطلة التي تقوده لما هو مهلك له، وما هو سبب في غلق أبواب الكمالات لديه سواء دنيوية أو اخروية بدون أي إفراط أو تفريط في كلا الطرفين ،وهذا ينتج عنه التوازن النفسي لدى الإنسان ويعيش معيشة هانئة بعيدة عن التوترات اليومية التي سببها عدم الاستقرار النفسي والذي حصل بسبب عدم إدراك تلك الأمور التي ذكرنا.