التدين المظهري

1٬536

من المواضيع الإشكالية التي تقتضي من المرء قدرا غير يسير من الشجاعة لكي يكتب فيها موضوعُ الدين والتدين؛ ذلك أنه من شِبْه المستحيل أن يأتيَ فيها المرء برأي لا يُثير عليه غضبَ طرفٍ من الأطراف؛ فالكلَّ يَنظر إلى الدين من منظور طائفته وجماعته وأفكاره التي نُشّئ عليه وتلقاها منذ صباه، ولا يَكاد أحدٌ يُراجع هذه الأفكار إلا فيما ندر، والنادر دوماً نادرٌ، لا حكمَ له. ومن ناحية أخرى، فإن المرء لا يَستطيع أن يَمنعَ نفسه من الحديث في مثل كهذا مواضيع، ومن تكوين آراء شخصية خاصة به حولها، لِــما لها من جاذبية من جهة أولى، ولكونها لصيقة به من جهة ثانية.

ورغم أن هذا الموضوع كُتبت فيه الكثير من الكتابات الأكاديمية، وأُحدِثت فيه تخصصات قائمة بذاتها، إلا أن العيب الدائم الذي يلازم الكتابات الأكاديمية أنها غالباً ما تبقى حبيسة رفوف المكتبات والمجلات والمواقع الناشرة لها، ولا تَصل إليها إلا يد قلة قليلة جدا من المتخصصين، بالإضافة إلى أنها لا تكون في متناول الإنسان العادي البسيط، الذي لم يَتلقَّ تكوينا أساسيا يؤهله للتعامل مع هذه الدراسة والاستفادة منها، ومن هنا فالحاجة ماسّةٌ إلى كتابة مقالات تُعالج هذا الموضوع بالعمق والدقة اللازمين، لكن مع الحفاظ على التبسيط في الأساليب واللغة وطريقة العرض، حتى يَسهل على هذا الإنسان العادي قراءتُه والاستفادة منه بأيسر وجهٍ ممكن. وهذا المقال يحاول مقاربة تصنيف المتدينين بناء على بعض المظاهر، وبيان مدى امتناع أن يكون لهذا النوع من التصنيف أساس حقيقي يتأسس عليه، ويبرر وجوده.
من المعتاد، ولعله من المعقول والمتوقع دائما، أن يكثُر النقاش حول بعض مظاهر التدين في فترات من السنة بعينها، وأشهر هذه الفترات فترة شهر رمضان وما بعده بقليل، ويتجدد هذا النقاش مع شهر ذي القعدة: شهر الأَمِّ صوبَ مكة للحج. فَمَعَ دخول شهر رمضان من كل سنة تبدأ بعض مظاهر التدين الشعبي تطفو على الساحة وتبرز، وهو الأمرُالذي يَفتح الشهية للنقاش حول مدى جدوى بعض هذه المظاهر، ومدى استقامتها وانسجامها مع المنطق الديني نفسه؛ أعني مع قواعده وأحكامه ومقاصده. ومشكلة التدين الشعبي أنه بطبعه شعائري فولكلوري، يقوم على تحويل التعاليم إلى طقوس، فيغدو الشكل أهم من المضمون، لأن الشكل ظاهري بارز، في حين أن المضمون باطني خفي، يتعلق بالنية والإخلاص في العمل. ولذلك تجد العبادات التي فيها جانب الشكل أقوى تزدهر كصلاة التراويح في الجماعة، في حين أن بعضها الآخر ليس كذلك، لا لسبب إلا لأن هذا الجانب فيها أضعف وأخف. ولا بد أن أوضح هنا أن استعمالي لكلمة التدين مقصود به تمثُّلُ الناس لأحكام الدين وممارستهم لها، وليس الأحكام ذاتها، لأن الأحكام ذاتها من الدين، وليس من التدين. فالتدين هو تحقُّق الناس وتمثلهم لأحكام الدين. فالتدين بهذا المعنى فهم بشري للدين، في حين أن الدين وحي إلهي مُنزَّل.


إن التركيز على هذا الجانب الشكلي من العبادات هو الذي أدى إلى ظهور تصنيفات غريبة للمتدينين؛ تصنيفات يبدو أنها لا تقوم على أي أساس، اللهم إلا ما يكون من الأساس الشكلي المذكور. فالمحافِظُ على الصلوات الخمس يُصنف ضمن خانةٍ يُطلق عليها “المتدين”، فإن زاد قليلا، وأصبح يحافظ على أدائها في الجماعة، في المسجد، ارتقى إلى صنف ”الملتزمين”، وإن زاد على المحافظة على أداء الصلوات الخمس في المسجد شُعيْراتٍ من اللحية، والتزاما بالتقصير في الثياب، أصبح يُطلق عليه “الأخ”، وقد يُطلق عليه “الإخواني”، وقد ينعت عند مَن يضعون أنفسهم في منزلة “المتنورين” بالمتزمت أو الرجعي أو الظلامي. غير أن المواطن العادي البسيط قد يرى فيه ممثلا حقيقيا للإسلام.. والأمر كما قيل: الكل يغني على ليلاه.
قد لا يشك أحد أن هذا من تقزيم الدين واختزاله، حيث أصبح الدين محاصرا بين حركات وتوجهات اختزلته في اللحية واللباس وبعض الطقوس الشكلية، وأفرغته من كل محتوى ومضمون. فالصلاة في الأصل صِلةٌ، تربط الإنسان بخالقه، فهي بمنزلة “مكالمات يومية” يجريها الإنسان بربه، سواء أكان هذا الإنسان بلحية أم بدونها، وسواء كان مبتلىً ببعض العادات السيئة كإدمان الدخان أو الخمر أو السرقة أو غيرها من الإدمانات، أو جمعها الشخص كاملة، أم لا، فهو بمقتضى آدميته حاز شرف النفخة الإلهية، ويظل من فصيلة البشر ممن يعتقدون بوجود الخالق، وهو بحاجة لأن يتصل به لكي تُروى روحُه وترتقي، وهو بمقتضى بشريته يخطئ، والخطأ مغفور، تجبه التوبة، ورحمة الله تعالى وسعت كلَّ شيء.
هذا التركيز على الجانب الشكلي من التدين يَنتجُ عنه النظر إلى بعض الناس على أنهم أكثر إيماناً، اعتمادا على منظرهم الموحي بذلك، وإلى آخرين على أنهم أقل إيماناً، اعتمادا على نفس المعيار. وهذا المعيار كاذب في كثير من الأحيان؛ لأننا بالتجربة وجدنا أن هناك الكثير من “الصعاليك” الذين لا يتوقفون عن الانخراط في أفعال الخير، ويتمتعون بحس أخلاقي عالٍ، لا يَتمتع به بعضٌ ممن ينعتهم المجتمع بـ “الملتزمين”، والذين يَستغلُّون إحسان الظن بهم من طرف المجتمع للتستُّر على بعض الشرور التي يقترفونها، واقتراف الشر والخطأ ملازم لطبيعة البشر، متدينا كان أو غيره.
طبعا، الصلاة فوق هذه الاعتبارات الشكلية، والله خالق للجميع، عليم بهم، مختصٍّ، وحده، اختصاصا حصريا بمحاسبتهم، وهو يفرح بعودة عبده إليه في أي وقت، وفي أية حال. ومن ظنَّ أن التضرع إلى الله والدعاء واللجوء إليه يقتضي ضرورةً أن يكونَ في حالٍ جيدةٍ في عبادته وفي المحافظة عليها، وفي مستوى راقٍ من التخلٌّق، والبعد عن المعاصي والذنوب فقد بالغ في الوهم، لأن هذه الدرجة لن يصل إليها أبداً ما حَيِيَ، وقد جاء في الحديث: ” رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ذِي طِمْرَيْنِ، تَنْبُو عنه أَعْيُنُ الناسِ ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ”؛ [الجامع الصغير للسيوطي: رقم 4385].
إن البحث في النصوص الدينية يَدُلُّنا على أن هذا التركيز على المظاهر لا يتأسس على أساس ديني قوي، ذلك أننا نجد أحاديث عديدة تؤكد على أن جوهر الدين الذي عليه ينبني الثواب والعقاب لا علاقة له بهذه المظاهر الشكلية، فقد ثبت في حديث صحيح أن الله أدخلَ الجنةَ بغيّاً لأنها سقت كلبا، كان سيموتُ من العطش، وثبت أيضا أنه أدخل النارَ امرأة لأنها حبست قطة “فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتْها تأكل من خشاش الأرض”؛ كما أن هناك أحاديث أخرى تُخبرنا بدهشة الناس يوم القيامة حين يدخلون الجنة ولا يجدون فيها بعضَ مَن يُعدُّون من الصالحين في الدنيا، فيَسألون، فيُخبرون أنهم في النار، فيَكبُرُ عجبُهم: كيف لهؤلاء الذين كانوا يأمرون بالمعروف أن يدخلوا النار؟ ولكن الواقع أنهم كانوا يأمرون الناس بالمعروف، ويَظهرون بمظهر الصالحين، ولم يكونوا يأتون ما يأمرون به الناس، ولم تكن أفعالُهم تُوافق أقوالَهم، ولا بواطنهم مطابقة لظواهرهم.
وهذا يؤكد لنا امتناع الحكم على الناس بناء على ظواهرهم، كما أنه لا يمكن الحكم على النوايا لخفائها، إذ لا يطلع عليها أحد إلا الله سبحانه. وقد أجاد ابن القيم التعبير حين قال: ”واللهِ إن العبد لَيصعب عليه معرفة نيته في فعله، فكيف يتسلط على نيات الخلق؟!”. وإذا امتنع الأمران معا تبيّن أن تصنيف الناس باعتبار تديُّنهم تصنيف باطل لا أصل له. وعلى العاقل أن يَكفَّ عنه، وعوضا عن ذلك، عليه أن يطلب النجاة لنفسه، ويسعى ليكون عوناً للناس على أنفسهم وعلى وويلات الزمان. فالحقيقة المؤكدة في هذا السياق أن معركتنا الحقيقية مع أنفسنا، علينا أن نجاهد لتزكيتها، والرقي بها، لنعيش عيشة راضية، بقلوب بيضاء نقية.
إننا قد صرنا إلى زمن صار فيه التحدي الأمر هو أن نتمثل المبادئ الدينية برقي، وأن نكون صورة ناصعة ومثالا تطبيقيا حقيقيا له، بأخلاقنا وتعاملنا مع الناس. فقد أتى علينا حينٌ من الدهر كان فيه المتدين مساوياً ومرادفاً للمتزمت الغليظ الطباع، يرتكب أنكر المناكر، وهو يعتقد أنه يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والحق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوبان في المجتمع، في مؤسسة العمل، في المدرسة، في العمل الحكومي، وغير ذلك؛ فمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوسع من ذلك المعنى الضيق الذي نقدمه به. غير أنه لا يتم بأية طريقة كانت، بل لا بد فيه من مراعاة الأسلوب والطريقة التي يتم بها، لأن الخطاب وطريقة الحديث مهمان للغاية، ومؤثران جدا إما في الحمل على فعل شيء معين، أو الامتناع عن فعله.
وختاما، فإن المسؤول، أو الذين يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية في انتشار ثقافة تصنيف الناس إلى مؤمنين أقوى إيمانا، وإلى آخرين أقل يُنظر إليهم بعين الاحتقار والازدراء، هم الدعاة؛ لأن من المفروض أن هذا واجبهم الذي يتوجب عليهم بمقتضى وظيفتهم، فلا بد أن يقوموا بما عليهم لتوعية الناس بخطورة هذا التصنيف، وبكونه يناقض أحكام الدين أصلا. ولكن الدعاة لا يمكنهم القيام بهذا إلا إذا كانوا هم أنفسهم قد تخلصوا من هذه الثقافة، لأننا نلحظ أن بعض الدعاة هم أنفسهم يُسهمون في انتشار مثل هذا الوعي والثقافة، ومَن يُصلح الملحَ، إذا الملحُ فسَد؟!