عنكِ يا مدينةً…قررت أن أكتب

241

هلْ سبق أن تجرأت وسألتها يوماً: لماذا أحبك؟ أو ربما توَدُّ أن تسألها: لماذا تراني أكرهك؟ سؤال من الراجح أن يُطرح، فكل واحدٍ منَّا يُكِّن لها أحاسيساً، سواءٌ أكانت بيضاء صافيةً أو سوداء موجعةٍ؛ لكنها في كِلتا الحالتين حاضرة وبقوة غدت تتردد عليك وتستحوذ قلبك كلما قرُبتَ منها واجتحت أسوارها، تكتسح حدودها فتكتسح معك الغرابة محل كل مَنطق، لِتجد نفسك فجأة تُكِّن لها من الحب أو الكراهية أو ما بينهما ما لم تَكن لتشعر به نحو أيِّ إنسانٍ؛ وإن كان لهذا الأخير روحاً قد شاركتك مرات عديدةً أطراف الذكريات والأقدار أو ربما الحُتوف المتشابهة أيضاً، في كل مرة أتذكر فيها بأن ارتباطنا العاطفي بك أمر محتوم وأشبه بمُسَلَّمة حتى تنتابني رغبة عارمة في أن أُُسَائلك: من أنتِ لتمتلكي قلوب من امتنعوا عن حب غيرك وأنت ذات الوجود الذي نَذر بأن يَدُسَّ سُمَّ الكراهية في شخصٍ أبى أن يكره ما عداك؟

أيعقل يا جماداً أن تكون لك كل هذه القوى المُزعزعة وأنت تتسترين وراء قناع الثبات غير متزحزحة أو مُكترثة؟ ما سرُ استقطابك لأحاسيسنا أنت التي لم تكوني لتسقطي أرضاً يوماً، فيمحيك ترابها من الوجود كما يفعل بنا، مُجرِّداً إياك بذلك من ماضيك وحاضرك ومستقبلك؛ لماذا وأنت التي تتلاعب الأقدار على الناس داخلها بين مُرٍّ وحلوٍّ، بين سعيدٍ و آسٍ وأنت التي نادرا ما طالتك أياديها؟ ألِئن فيك أبعاداً أخرى تجعلك أكبر من أن تكوني مُجرَد ذلك الجمادِ المادِّي، وإنما عنصراً حياًّ ينتظر على أحر من الجمر أن تلامسه ذاكرتنا، فيصبح لك بذلك من التشابه مع الإنسان ما يُحقُّ لك أن تُعشقي أو تنبدي مثله أو حتى أكثر منه؟ عن سرِّ فيض كُلِّ هذه المشاعر اتجاهك أكتب وأتسائل وأحاول أن أجيب.

بالرغم من تجربتي البسيطة في هذه الحياة التي لا زال احتكاكي بها قليلاً حتى أستطيع الإجابة عن كلِّ هذه التساؤلات غير أنها كفيلةٌ بأن تجعلني قادرةً مُذ أن وقعت أنا كذلك في حب بعض المدن ونفوري من أخريات؛ أن أستنبط عنصرين أو ثلاثة عناصر، رأيت فيهم نوعاً من مفاتيح الإجابة عن سرِّ هذا الإرتباط العاطفي بك؛ يا من دهاليزها أصرت على الغموض والالتباس دوماً.

مقالات مرتبطة

الطريق إلى كابول

اختيار ناضج

تعلم أن تقول لا!

لعلَّ أبرز ما يدفع الإنسان بالدرجة الأولى إلى أن يُحب أو يكره مدينةً ما هم أفرادها وقاطنوها؛ بمعنى آخر فإن ماهية علاقاتنا الاجتماعية بسكان مدينة ما تشكل عاملا أساسياً قد يدفعنا إما أن نعشق المدينة بكلِّ تفاصيلها وعُيوبها، بقدر ما قد تدفعنا إلى أن نشمئز حتى عند سماع اسمها لما هو عليه؛ كون اسم سكانها ليس إلا اشتقاقاً منه. فغريبٌ أنك لتجد الواحد منهم ما ينفك يصف تعلقه بمدينةٍ ما دون أن يتوقف جلُّ حديثه على استحضار أسماء وسِيَر أشخاصٍ وشخصياتٍ لكأنهم مهدوا ببطأ ليوقعوه في حبها، درجةَ أن يصير في أرذل العمر أو ربما أبكر بكثيرٍ أحياناً؛ طريحَ نوباتٍ عاطفيةٍ متطرفة تجاه تلك المدينة التي تراها في عينيه بمثابة الأموات الأحياء تارةً هي حيَّةٌ بحبه لها، غاليةٌ عليه لأنها شاءت أن تحتضنه وتضم إليه كلَّ ما أحب ومن أحب، وها هي تارةً ضحيةُ قاتلها كُرهاً لأنها أبت احتضان من عزُّوا عليه وشاءت أن تقبله هو وحده دونهم.

ولعل جُلَّنا إن لم يكن كلنا ما سلموا في طفولتهم من سماع ذلك الحديث المتكرر بين الكبار الذين أجمعوا جازمين أن لكل مدينة صفات خاصةً قد طبعت أهلها وبصمت كلَّ من حاداها، تجدهم تارة أجمعوا على خفة دم أهل مراكش وطيبتهم، تارة على كرم أهل دكالة، وتارة على أصالة أهل فاس، وتارة على تَحضُّر أهل الشمال (شمال المغرب) لاحترامهم قوانين السير، في هذا الحديث لم يكن الاستثناء ليجد مطرحاً؛ وهذا أمرٌ شبه عادي في أحاديث الكبار، بيد أن الغريب في الأمر هو كيفية إيجادهم وربطهم علاقة وطيدة بين المدينة وسكانها، لكأن المدن أمهات لكل واحدة طريقتها الخاصة في تربية أبنائها، وبالتالي فإن المستمع الوفي لمثل هذه الحوارات قد تجده غالباً ما سبق وأن صنَّف في جدول اللاوعي لديه مدناً أحبها قبل النظرة الأولى، وأخريات اعتزم اجتنابهن ورفضهن دون منحهن أدنى فرصة كي يغيرن وجهة نظره المتصلبة؛ وهنا تستوقفني أحد عبارات أحلام مستغانمي في روايتها ذاكرة الجسد: “هنالك مدن كالنساء، تهزمك أسماؤها مسبقاً، تغريك وتربكك، تملأك وتفرغك، وتجردك ذاكرتها من كلّ مشاريعك، ليصبح الحب كلّ برنامجك.”

 

ثُمَّ إن عنصر سكان المدينة ليس كفيلاً بأن يكون السبب الوحيد الذي يدفعنا للدخول في ارتباط عاطفي بمدينة ما؛ ولا كافيا البتة بأن يرفعها في لاوعينا من منطقة الوسيلة العابرة الثابثة إلى مرتبة الاعتراف بتنزهها على ما هي عليه كجماد مادي، وجعلها أسمى من ذلك بكثير، إذ للعمران أيضاً دورها الفريد في أسر عواطفنا اتجاه مدينة ما، فغالباً ما قد تبدو في أولى النظرات السطحية لشخصٍ مجرد مزيج من مواد البناء وضعت بعضها فوق بعضٍ لتحدد أشكالاً معينةً وسط المدينة لا غير؛ مما يدفعه ليجزم أن العمران أضعف من أن تكون أحد أسباب احترافنا حب مدينة ما أو بغضنا إياها، وهنا بالذات يكمن الكمين الذي تضعه هذه الأخيرة في كل مرة حتى تصرف أنظارنا عن وزنها الثقيلَ تأثيره فينا؛ إذ لو علم الناس ما لها من إسهام كبير في تقييد مشاعرنا وتوجيهها كيفما شاءت واعتزمت، لربما اعتزل الناس فن البناء وأبوا أن يكون للعمران محلٌّ داخل مدنهم، ذلك لأن هذه المدن تتخفى وتتستر وراء مظهرها المخادع لتبوح بما لم يستطع التاريخ الإفصاح عنه في كتبه، تستعمل في أدق وأصغر تفاصيلها البنائية لتكون بمثابة قلم جارح يحكي دون أدنى تستر الواقع المعاش للمجتمعات التي توالت داخل أسوار المدينة؛ عن ثقافات سرت ومناهج حياتية اتُّبعت؛ عن الحرب والثورة بقدر ما تحكي عن ازدهار أجيال سلفت، فما هي قلعة متهالكة؛ عالية أسوارها إلا ولأن تلك المدينة كانت يوماً ما مطمَعا لكل مستعمر، فما كان لأهلها إلا النضال واعتزام الدفاع عن أرضهم التي صارت في أعينهم جزءا لا يتجزأ منهم، وما هو قصرٌ عظيمٌ مُحبكة تفاصيله المعمارية إلا وكان وراءه سلطان عظيم حكم المدينة يومها؛ وما هي منازل عمياء الواجهة -لا نوافد فيها- إلا ولأن سكان المدينة اتسموا الاحتشام يوماً، واحترام حُرمة الأسرة وكتمان أسرارها.

إنَّ كل هذه العمران الفصيحة مكوناتها؛ والمليئة ثغراتها بقصص التاريخ أفراحاً وجراحاً تسهم في تطوير ثقافتنا وتعزيز حسِّ المواطنة لدينا، خاصةً عندما تُؤكد عمرانها بأن المدينة التي نتنعم فيها نحن اليوم لم تصل إلى أيادينا إلا بشق الأنفس وقطع الرقاب وسفك الدماء؛ دفعت ثمنها أرواح المجاهدين ويُتم أطفال أبرياء لم يكن ذنبهم سوى انتماؤهم إلى حدود تلك المدينة، “فيحِنُّ الدم” كما يُقال ويدفعنا إلى أن نرتبط أكثر بمدننا ويكره بعضنا أخريات لم تكن من نصيبنا.

وفي الأخير بين معاملات سُكانٍ وقصصِ عمرانٍ، تظل الذاكرة وحدها العنصر الأسمى والحكم الأعلى الذي يحدد نوعية العلاقة التي تربطنا أو ستربطنا بمدينة ما؛ هذا وإن قررت هي وحدها أن تسمح لنا بالتشبث بمدينة ما، ذلك لأنه بدون ذكرياتٍ تنعدم كل علاقة، هي فقط من تسمح لنا بتذكر طيب قوم وسوء قوم، بالذاكرة نتذكر أن ذلك المبنى كان سجننا وفي آخر تحررنا، في هذا عشنا أفضل أيام حياتنا، وفي ذاك كان الحزن والقهر مُلازمنا، وتضل بذلك العمران بقدر ما تبقى العلاقات الإنسانية وسائل تخدم سلطة الذاكرة التي بها تُحكم عواطفنا بين حبٍّ ومحبةٍ أو كره ونفورٍ، وتضلُّ نصيحتي إليك أن هوِّن عليك لا تستعجل سؤالها فهي لن تُجيبك وإذا بالصمت يُصبح لونها المفضل.