ما بين الخطاب الديني والخطاب السياسي

133

أَصبح المجتمع العربي والإسلامي في الآونة الأخيرة تتردد على مَسامعه بعض المُصطلحات الفضفاضة التي قَل من يعرفها ويفهمها بمعناها الحقيقي، وهذه المُصطلحات لها دور كبير في خدمة المجتمع وفي التأثير عليه وهما: “الخطاب الديني” و”الخطاب السياسي”، اللذان يلعبان نُقطة مركزية في التحولات التي يشهدها المجتمع بمختلف أطيافه سواء من الناحية العقدية أو السياسية، كما نجد أن لها أشكالا شفوية تهدف من خلالها إلى إيصال فكرة ما ومحاولة إقناع المجتمع بها من خلال توجيهها للفئة المستهدفة بذلك الخطاب، لكن في ظل التقلبات التي تعرفها المجتمعات العربية والإسلامية بدأت المطالبة بتجديد كلا الخطابين بما يتوافق مع وضعية المجتمع ومتطلباته وبما يتوافق أيضا مع متطلبات الزمان والمكان والمخاطب، فهل الخطاب الديني والخطاب السياسي لازال لهما التأثير على المجتمع أم أن ذلك كله ظل في الماضي؟

إن الحديث عن هذين الموضوعين اللذين أثارا جدل كبيراً في العصور الأخيرة؛ بحيث بدأ يصعب العثور من خلالهما على فوارق جدية تبين كلا على حدة، يتبين أن الخطاب كلمة عربية فصيحة مستخدمة، وتعني المحاورة والمحادثة بين طرفين، والخطاب أيضا هو مُجمَل ما يصلنا من أفكارٍ أو تصوُّراتٍ بشكلِّ من أشكال التعبير اللغويّ‏،‏ مسموعًا أو مكتوبًا،‏ وبكلِّ وسائل التواصل التقليديَّة أو المستحدثة‏، سواءً كنَّا نتلقَّاها جماعةً أو فُرادَى. وهنا سأقسم المقال إلى فقرتين أتحدث فيهما عن الخطابين الديني والسياسي بشكل موجز.

الخطاب الديني:

يتميّز الخطاب الدينيّ بالتجديد ضمن إطار عقيدة الإسلام، ويرتبط مضمونه بما يحتاجه المسلمون، ويكون المقصد منه هو حل ومعالجة التحديات التي تواجهها الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر، وهو خطابٌ يستند إلى مصادر التشريع الإسلامي وهي القرآن الكريم، والسنة النبويّة، ومصادر التشريع الإسلامي الأخرى كالإجماع وغير ذلك، يسعى الخطاب الدينيّ لنشر الدين الإسلامي عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً ومعاملات، لغاية تعليم الناس كل ما هو نافع لهم في الدنيا والآخرة، وبذل كل الجهود في سبيل خدمة هذا الدين امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى، وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام.

يُشير مفهوم الخطاب السياسي إلى شكل من أشكال الخطاب الموجّه من فرد أو جماعة في منصب سياسي معيّن، للجمهور المتابع؛ بهدف تقديم أنفسهم، وعرض المشاكل الخاصّة بمجتمعهم، لكن الغريب في الأمر أن بعض المسلمين أصبحوا يخشون الاعتراف بضرورة التجديد ليبقى كل شيء كما كانوا يعتادون عليه، فهم يفضلون أن تبقى فكرتهم، وخطابهم، ولغتهم، وطريقتهم وعلمهم متكلساً مهترئاً ألف مرة على أن تنالهم يد التحديث، أو تطالهم بواعث التجديد وأسبابه، فهذا ليس موضوعنا وإنما من الضرورة الإشارة إليه، فالخطاب الديني له تأثير كبير على المجتمع وذلك نابع من مرجعيته الدينية التي تحظى بالقبول لدى المسلمين إذا لم يكن الهدف منه التماس أغراض سياسية، وهذا ما بدأنا نلاحظه في الخطابات الدينية لبعض الدول من استخدام الدين لأغراض ومصالح سياسية تهدف في الحقيقة لقضاء حوائج الحكام وإن كانت تخالف الشريعة، فالخطاب الديني ينبغي أن تُلتزم فيه ببعض الركائز والسمات وهي:

1- ربانيّ المصدر والمنشأ: أي أن يستمدّ قيمه ومبادءه من التعاليم الإسلامية.
2- وسَطي: الخطاب الدينيّ يجب أن يراعي التوازنات بين العقل والوحي، وبين الحقوق والواجبات.
3- مُنوع ومُتَجدد: أن الناس مختلفون وكل منهم له مذهب مختلف فيجب مراعاة ذلك.
وغيرها من الركائز التي ينبغي الالتزام بها لكي يكون خطابا فعالا يؤثر في المجتمع ويلقى ترحيبا في أوساطه والكلام يطول.

الخطاب السياسي:

يُشير مفهوم الخطاب السياسي إلى شكل من أشكال الخطاب الموجّه من فرد أو جماعة في منصب سياسي معيّن، للجمهور المتابع؛ بهدف تقديم أنفسهم، وعرض المشاكل الخاصّة بمجتمعهم، وبالعالم، وعرض حلول مقترحة لجذب انتباه السكّان، وتحقيق مصالح معيّنة، أو لكسب أصوات “انتخابيّة”، أو تنفيذ مشاريع معيّنة، كما ويعتبر الخطاب السياسي شكلاً من أشكال الثقافة الحديثة، تُشكّل أداة مهمّة في اكتساب السلطة، وكسب الشرعيّة من الشعب.

والخطاب السياسي لا يمكن القول بأنه خطاب له مصداقية كاملة، فهو خطاب يعبر عن مدى مصداقية قائله وغالبا ما يكون في مجتمعاتنا العربية لمصالح فردية لا جماعية ويكون في فترة زمنية محددة لا متناهية وغالبا ما يتم مزجه مع الخطاب الديني لكي يؤثر نوعا ما على الشعوب ولتكون له فعالية، فمثلا في مصر منذ الانقلاب العسكري سنة 2013 بدأ الشيوخ والعلماء يتكلمون في أمور سياسية لا تعنيهم بهدف إرضاء الحاكم، نفس الأمر بالنسبة للسعودية التي تستخدم “العلماء” الأغراض ومصالح فردية وتعتقل كل من قال الحق في وجه الباطل، وهذا ما جعل الخطاب السياسي لا يحظى بالقوة والفعالية في المجتمع العربي والإسلامي عموما.

وفي الختام، إن الحديث عن الخطاب الديني والسياسي لا تسعه تدوينة واحدة وإنما كُتب ينبغي أن تُؤلف فيهما؛ لأن الخطابين أصبحا في الفترة الأخيرة على خطـٍ واحد، فالذين طالبوا بفصل الدين عن السياسة هم من يدخلون الدين في السياسة ولا يسعنا إلا أن نقول: ينبغي إصلاح كل من الخطابين والنهوض بهذه الأمة إلى الرقي والفلاح والعمل معا لتحقيق مراد كل منهما والتصدي للخطابات الموجهة لأغراض شخصية لا جماعية.