ارعوا صحة طبيبكم، فلا من يداويكم بعد سقمه

194

أنا منهك..
منهك لأني شرطي مرور في ملتقى كل العلاقات التي تربطني بمعارفي، أداري على عيوب بعضهم البعض حتى لا يهجر بعضهم بعضا، أقرض محتاجهم يوم لا يقرضني ذو المال، أعطف على حزينهم بينما الحزن يقض مضجعي، أصدر ابتسامة تطمئنهم جميعا بينما أرتجف حيرة.

حزين بل غريب حين يستند جميع من في مؤسسة اجتماعية كالأسرة أو النادي أو غيرهما قوتهم وبأسهم من شخص واحد عهدوه ذا بسمة وعزم، ولم يروا منه الحزن والانكسار، فظنوه ملاكا لا حاجة له من الدنيا إلا إسعادهم، يتكئون عليه بينما ينوون تسلق الأعالي، ويستنجدون به إن غرزت أقدامهم في شعب الحياة الموحلة…وحيث هو الملهم المغوار يلبي النداء تلو النداء، فلا يزيد ظنهم به إلا تناميا، ولا يزيد إهمالهم لما يحتاجه إلا زيادة.

أقرأ دوما عن الأمهات ذوات الأربعة والخمسة أطفال يمتنعون عن حق الزواج بعد الترمل بغية صيانة العش من الضياع، فتزوج الإبن الأول فالثاني حتى يفرغ عليها الفضاء، يتذكرها أحدهم بدعاء محفوظ، إن عبر ذكر كفاحها في معرض الحديث دون أن يكلف نفسه يوما سؤالها ما إذا كانت ظهرها الذي تحمل العبء كله يحتاج إلى دواء أو إلى مسكن، معتقدها أن الظهر المذكور خارق لم يخلق إلا لتحمل الوجع لا يتألم البتة. وحتى إن تزوجت حكموا عليها حكم الفاسقة لا حكم المتزوجة، ظنا منهم أنها لا تحتاج العاطفة، ولا تأبه للسؤال من عدمه، وأن جلدها يبس ما عاد يحس باليد تمسح دمعته.

جرب –أنت يا من يقرأ هذه الأسطر– أن تسأل يوما شرطي مرور أو عامل بناء أو نظافة ما إذا كان جائعا يحتاج لقمة، أو ظمآنا يحتاج شربة ماء، ستجده غالبا يندهش من سؤالك. ذلك أننا اعتدنا الطلب، وأغفلنا العرض والرعاية، ركزنا على الحقوق وتناسينا الواجبات…أنانية منا ربما أو استرخاصا للنعمة التي تظلنا.

إن القوم أولئك عمدان الحياة لا تستقيم إلا بهم، هم قادة فرق الأسر ومنتخبات الشعوب، هم كسواري المساجد وأعمدة المتاحف، يحملون كل الثقل دون شكوى، لا يسمع لهم أنين وإن أهلك الصدأ جثثهم، لا يدل الناسَ على موتهم إلا سقفُ المؤسسات الاجتماعية تخر على رؤوسهم، فيعلمون بعد فوات الأوان أن العماد لا بد له من صيانة ورعاية، حتى يصون نفسه والمستظلين بحماه.

ارعوا صحة طبيبكم، فلا من يداويكم بعد سقمه!