رهبة الكتابة

143

أشكُّ في العنوان، وأضطر إلى معاجلته في آلة لإعادة التدوير، لا أعتقد أنني سأتكلم في مخاض الولادة أو ألمها، المهم أنَّ شيئاً ما متعلق بالكتابة سأتحدث عنه وفيه.
حاولتُ مراراً أن أخطَّ ولو جملةً صغيرة أكونُّ بها مقالا في موضوع من المواضيع ولم أستطع، هل هو عجز ذاتي؟ لا أظن، إنما هو تهيبٌ وشعور بالخوف حين أكتب، ليس لأنني أستحضر قيمة ما أكتب، فاعتقادي به أنه هراء، لكنني أعتقد أيضاً أنه يحمل قسَماً بالأحرفِ التي وجبَ عليَّ تقديسها، فلو كنتُ متهوراً حقاً لكي ألقي بالكلمات على العواهن، وأرمي بها حيثُ شئت، فلا أظن أنني سأحصِّل مما سأكتب شيئاً، فلو قرأ الكثيرون مقالتي واستحسنوها وتجاذبوها في النقاش فيما بينهم، فليس الغرض عندي أن تحقق المقالة نجاحاً باهراً، ففي نجاحها اكتشافُ عوَرها نقداً، ومراجعةً؛ هذا أمر مطلوب، لكنه “يتجسد” عندما يكون الكاتب مستحقاً لكل هذا دون مجاملة!

أشعر بأنني أكتبُ شيئاً الآن، وهو اعترافٌ ضمني بأنني لا أخشى الكتابة التي تفكك الدواعي التي جعلتني أمسك القلم، وأدون به هذه المعزوفة البسيطة. إنني أكتب وحدي طويلا؛ أكتبُ من خلال التأمل، ومن خلال النظر وأنا أقرأ، فيتشكل لدي تصورٌ أستطيع به بلورة مجموعة من الأفكار التي يمكنها أن تتحول إلى عمل قد أستحسنه في نهاية المطاف. من الناحية النظرية، أشعر بالسُّرور لأن التصور قد اكتمل، لكن؛ بمجرد إمساك القلم لكتابة ما قد خمنت فيه منهجياً، وبشكل موضوعي، إذ بي أخفق وأفشل!! فلم يا ترى؟ الإجابة تقتضي الإشارةَ إلى ثلاث مسائل:

أولاً: لا أعتبر بأن ما سأكتبه يندرج ضمن إبداع جديد، وإنما هو تكرار للألفاظ والمسميات بطريقة أخرى تناسبُ مقاسي العِلمي.
ثانياً: انخراطي في فعل الكتابة أقرأه من زوايا عدة، من ناحية الامتلاك المعرفي الكافي، ومن ناحية الصرامة المنهجية، فأنا لا أتكلم هنا عن الكتابة الأدبية التي تخضع لمعطيات أخرى (وهيَ تقتضي لوازم)، بل أناقش فعل الكتابة المنضبط للقواعد العلمية، والمخصوص بالمواضيع الفكرية التي تتطلب زاداً مقدرا.


ثالثا: أعتقد أن الكتابة إذا انطلقت من الثرثرة فهي نقيض نفسها، فكثيراً ما نثرثر دون جدوى، ونستعجل القِطاف، وننخرط في الإدعَاء، مشكلين وهماً مريضاً وممرضاً للقارئ، سينعكس علينا في اللحظات التي تقتضي منا الإجابة ونحن لا نمتلك الوسائل الكافية لذلك. فننفضح خصوصاً في لحظة الانتقال من الاختباء وراء الشاشات إلى مباشرة الواقع المُعريّ. الإخفاق غير متعلق بالسن، فالفارق الزمني قد يُختزل في سنين عدداً، إذا كانت همة المرء رفيعة جداً، لكنه متعلق بالرهبة تجاه المكتوب. قد أتحدث عن التجرد، عن الإخلاص، عن الامتلاك وعن العمق.

أتعبتكم معي أصدقائي بهذه الافتتاحية التي تقصُّ عليكم ما يجول بذهني فيما يتعلق بفعل الكتابة، قد يكون الأمر غير مستصعب، لا بأس. ولكنكم ستفهمون بعد قليل، فرجاء اعذروني!
ساعدتنا مواقع التواصل الاجتماعي باستخدام لوحة المفاتيح على الكتابة بسرعة فائقة وبطريقة قسرية للتعبير عن الهموم والأفكار، بطريقة العصف الذهني، والضرورة النفسية، لتبرير حاجاتنا، وخلق صور نمطية عنا ليرتاح ضميرنا . هذه هي الحقيقة! ما وقع بالضبط من ناحية التحليل النفسي، أنَّ الكتابة أصبحت عرضة للاستغلال والاغتصاب، فانخرط الكل رغم الخواء والادعاء في التدوين دون ضابطٍ يعقِل ويحجر عملية الكتابة، والكتابة هنا لا أقصد بها التفكير، فالتفكير مصاحب للإنسان، وهو ضروري في عملية المراجعة الذاتية. الخطر المحدق بالكتابة اليوم أنها استبيحت للكل، خصوصاً في المواضيع التي تحتاج إلى نظر عميق، فأصبح من هبَّ ودبَّ يشارك في كل شيء، ويكتبُ في كل الظواهر دون معرفة لازمة ودراية تامة بما يقوم به.

لا أقول لكم توقفوا عن الكتابة، فجميل أن يكتب الإنسان مهما كان مستواه لكي يتحسن قلمه ويصبح فارسا؛ ولكل فارس كبوة ! لكن؛ الذي أحذر منه، هو أن نكتب دون امتلاكٍ لناصية العلم في المواضيع التي تحتاج لذلك، أن نستبيح هذا الفضاء لهتك أستار العلم وإطلاق العنان للكتابة لتتعسَّفَ على كل شيء باسم الحق في الكتابة. هذا حقيقةً ما يسمى بشهوة التدوين الخارجة عن نطاق الأدب والصَّرامة. متلازمة نسبية؛ الذي يكتب يقرأ بالضرورة، والذي لا يقرأ لا يحق له أن يكتب، بل وجب عليه الخوف وتقديس الأحرف والكلمات، إذا كان صاحب إدراك نافذ بقيمة ما يُحصّل ويكتب، فالقراءة تساعد الإنسان السوي على النضج، والشخص الغير الناضج لا تنتظر منه أن يكون حكيماً.
وقد تذكرت في هذا الصدد حكمة لكونفوشيوس وهو يعظ تلميذه ليو يقول له: “أن تدَّعي الحكمة دون أن تتعلم، هذا ما يدعى ضلال التسلية”. وهي حكمة بليغة جداً يصبح فيها الإنسان الذي لا يستحضر ثقل الحكمة كالذي يتسلى بما يكتب فقط، و”يستحمر” عقولَ من يكتب لهم ويشوه صورته لا غير، وهذا يضر بالإنجاز لا محالة.

علينا أن نميز بين أنواع الكتابة؛ بين الكتابة التي تحتاج إلى روية وعمق منهجي يتطلبه المقام، وبين كتابة يفرزها الحال والمقال؛ وهذه الأخيرة ليست خاضعة للأهواء، والميل “الشهوي” للكتابة. كلا الكتابتين –في نظري- خاضعة للحظة الإفراز الطبيعي دون تكلف أو تصنع لإرضاء النفس والآخرين. الكتابة هي حالة مخاضٍ بين الوعي واللاوعي، هي لحظة إبداعية خاصة، لا تخضع إلى القوانين، حتى ولو كانت تحمل في طيها صَرامة منهجية، فهي تُفرز بشكل طبيعي غريبٍ جداً.
صحيحٌ أن بعض الكُتّاب كانوا يضغطون على أنفسهم من أجل الكتابة والجلوس لساعات لخط رواياتهم وكتبهم، هذه النماذج لأشخاص راكموا وامتلئوا ووصلوا إلى لذة الفهم بتعبير اسبينوزا، وهم في لحظة الإنتاج التي تتطلب جهداً مضَاعفاً، لكننا نحن “الشباب” لا يجب أن ننساق إلى مثل هذه الأمثلة المضللة، والتي قد تدخلنا في أنفاق من طرح الأقوال والتعابير التي تفضي غالباً إلى استباحة ما يجب، والانتقاص مما طُلب. فعل الشك مع كل شيء، مع الذات والحرف على وجه الخصوص، هو السبيل. فالنقد “الرشيد” سيعلمنا أن التهور من الأفعال المِراض، وأن العجلة في قطف الثمار مؤذنة بالاعتراض.

في الإنجيل ثلاثُ كلمات خالدة: في البدء كانت الكلمة. يقول علي عزت بيغوفتش في كتابه هروبي إلى الحرية معلقاً: في البدء كان الوعي، من دونه؛ لن نحصل شيئاً، فبالوعي بما نفعل، ونكتب، ونسعى، سنتنبه إلى الطريق المسَدد بالنظر الحصيف.