إلى كل أنثى تركت في منتصف الطريق‎

336

ربما سيتبادر إلى أذهانكم أن التخلي أو الترك دائما ما يرتبط بالعشق أو الزواج، يعني أنه حالة يرتبط بها رجل وامرأة. على العكس تماما، فالموضوع يتجاوز حالات الحب والغرام التي ستبقى مجرد قطرة ماء من كأس مملوءة. مؤخرا أنشأت بعض النساء المغربيات مجموعة في موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، أطلقن عليها اسم “الرائعة”، كل واحدة منهن تحكي قصة نجاحها، فشلها أو تسأل النصيحة من النساء اللواتي مررن من نفس التجربة، مجموعة مليئة بالتشجيعات التي تفتح النفس ومن النساء القويات، المستقلات فمنهن القاضية، والطبيبة، والمهندسة، والفنانة والعاملة اليدوية وحتى ربة البيت التي لا تشتغل، فهي ناجحة ورائعة بتربيتها لأولادها أو لاهتمامها بأهلها. الجدير بالذكر أنها الحقيقة، فكل نساء العالم رائعات كيفما كن، شابات، أو عجزة، أو رضيعات، أو ربات بيت أو عاملات.

المرأة عماد المجتمع وسند لكل أحبتها: أب، أو أخ، أو ابن أو زوج فهي بطبعها الحنون وطبيعتها العطوفة تحب وتمنح حتى لو كانت طالحة في نظر البعض؛ لأن أسباب الشر أو السوء دائما لها تفسير، أي ما الذي يجعل قلبا رحيما يقسو أو يؤذي؟ لذلك أوجه تشجيعاتي الخالصة لكل نساء العالم بدون أي تمييز سواء كنتن عربيات أو أجنبيات، مهما كانت معتقداتكن، ودياناتكن، ولونكن أو لغتكن. لابد أن تجد كل واحدة منكن بعضا منها بين كلماتي فلكن مني سلام وحب وكل التقدير والمواساة على ما عانيتن طوال حياتكن وعلى كل غصّة، أو اكتئاب أو حزن.

لابد أن أول أنثى تستحق التقدير والتحدث عن قصتها هي تلك التي حرمت عند أول لحظة لها في الحياة من حنان أنثى أخرى أي من حنان أمها.
ربما تخلت عنها لظروف قاسية منعتها من المكوث بجانب فلذة كبدها، أو ربما كان السبب أقوى فكان الموت في المرصاد ليحرمها اللبأ الطيب ورائحة الحضن الزكية. أجل لقد عشت وكبرت رغما عن قساوة الحياة ربما مع زوجة أب لم ترحمك؛ لأنك لست من صلبها أو أنك تعايشت مع قدرك في ميتم ما فاقدة لطعم الحب من البداية…تتقاتلين فقط للنجاة من القهر ودموع منتصف الليل؛ التي تطمرين فيها كل المشاعر التي تجتاحك لتستيقظي في اليوم التالي قوية وكأن شيئا لم يكن، تتابعين روتينك اليومي كيفما كانت درجة قساوته. ثم نأتي بعد ذلك إلى تلك السيدة العجوز التي أكل عليها الدهر وشرب، وبعدها تُركَت أمام دار العجزة من طرف أبنائها أو أحد أقربائها إذا كانت عاقرا. فقط لتذمرهم من ذاكرتها الضعيفة، ووهنها أو مرضها الذي أصبح يمثل ثقلا بالنسبة لهم.
لأنها أصبحت كثيرة الكلام والملاحظة، لأنها ربما تنصحهم بأشياء لا تتوافق مع ثقافتهم وأفكارهم الغربية. لا أعرف ما هو إحساسك حقا وأنت وحيدة في أواخر عمرك. يكفي أنني كلما شاهدت برنامجا تلفزيونيا يعرض قصصكن يكاد قلبي ينفجر من الحزن وتجف عيناي من الدمع، وأنا كلي أمل أنني عندما سأنهي دراستي وأشتغل بإذن الله، ستكن من أولوياتي وسأساعدكن على قدر استطاعتي ماديا ومعنويا. تمنيت لو كان بوسعي إحضاركن لبيتي وأن أكون لكل واحدة منكن ابنتها التي تطبطب على كتفها وتعانقها وتقول لها بعينين مليئتين بالحب: “حفظك الله لي يا أمي، يا سيدة قلبي وياغاليتي”، لذلك، أعتذر منك باسم أحبائك عن وحدتك، وعن دموعك وعن ألم كلامهم الجارح بأنك لا تعرفين التكلم بشكل جيد ولبق فأنت أمية لا تعرف نطق الكلمات الأجنبية بلكنة جميلة.

سيدتي إذا تركك أبناؤك في منتصف الطريق فقط لهاته الأسباب التافهة أو غيرها فأنا أقول لك: أنت النور وأنت الفخر وبفضلك هم الآن في تلك المناصب وبكامل صحتهم. الآن حان دورك أيتها الفتاة الشابة المصونة. ألا تتذكرين أنك أميرة أبيك وصديقة أخيك؟ ألم يقطع والدك العهد بأنك ستظلين طفلته الصغيرة والسعيدة مهما كبرت؟ لن يمسك ضر، لن تدمع عينك ولن ينخر الألم قلبك؟ أظن أنك الآن أجبت بنعم بينك وبين نفسك.”إنها أنا” أليس كذلك؟ لكن هل أخبرته أن العهد كُسر وأنك بكيت لساعات طويلة داخل غرفتك المظلمة وتحت لحافك القطني؟ هل أكدت لأمك التي فهمت الموضوع منذ دخولك للبيت، أن اليوم حفل زفافه من ابنة خالته أو ابنة صديق أبيه؟ وأنه اعتذر عن السنين التي مرت بقوله إنك لست من مستواه الاجتماعي وأنك لا تصلحين للزواج وحظرك من حياته ومن جميع مواقع التواصل الاجتماعي.
في الحقيقة، أظن أن حالتك أهون من تلك الفتاة التي تركها خطيبها عند طاولة عقد القران تنتظر هي وأهلها وصول الضيوف ليبدو في الأخير أن وعده وهم وأنه كان مجرد مزحة من العيار الثقيل، ستكلف عائلتها وصمة عار طويلة المدى وستؤدي بها هي إلى أبواب عيادات طب النفس والأعصاب. وربما أهون كذلك من حالة أخرى تنازلت كثيرا من أجل شخص ما، فصبرت، وكافحت وساعدته ماديا ومعنويا. لتجده في آخر المطاف رب أسرة وأبا لطفل صغير. أتدرين أنها طوال تلك السنين لم تشك للحظة واحدة في مصداقيته؟ لقد لعب الدور باحترافية وكان كذبه متقنا خاليا من الشوائب. وكنتيجة لكل هذا وبمنتهى البساطة فقد ذهبت سنينهن هباء منثورا. جلهن لم يستطعن لملمة شتاتهن إلا بعد دهر من الزمن، أما فئة أخرى منهن فقد مُتن قهرا لضعف قدرة تحملهن أو عُوضن بالأحسن. ولأنك رائعة وقوية يا عزيزتي مع كل الظروف فأنا أقول لك: “لا تقلقي أبدا، سيأتي إليك من يصون عهد أبيك ويشفي جرحك الغائر.

لأن لكل واحدة منا نصيبا وقدرا مختلفا، إذا لم يأتيك من يفي بالوعد أو جاءك الشخص الغلط فسيرحمك الله بأحسن وأفضل دواء لقلبك وسيزرع الطمأنينة فيه. هنالك أيضا حالات الخيانة التي تكون أغلب نهاياتها طلاق الزوجين. لتجد المرأة التي ظنت نفسها في مأمن داخل بيتها ومع نصفها الثاني أنها لم تعد كذلك، وأن زلة زوجها أفقدتها الثقة في نفسها وأجبرتها على التخلي عن تلك العلاقة. لترحل بما تبقى من كرامتها. ربما لن ترحل إذا كان هنالك أطفال في الوسط فقد تخاف عليهم من أزمات الحياة ومن نتائج كبريائها التي ربما ستكون وخيمة. فتسحقه حتى ينزف فؤادها دما وتغلق الموضوع كما لو أن شيئا لم يكن. نعم هذه هي المرأة الصبورة والمضحية، هذه هي الأم، أقر ها هنا بتعدد صور التخلي التي دائما ما تترك أثرا يصعب شفاؤه أو يتأخر التئامه، كخذلان الصداقة مثلا. فكم من فتاة تركت صديقة عمرها وطفولتها وقطعت العلاقة بينهما؛ بمجرد توليها لمنصب أفضل غير حالتها المادية قليلا وأوقد نرجسيتها الدفينة، أو بمجرد أن تمت خطبتها لشاب ما “غالبا ما يكون من الطبقة المخملية”.

أيتها السيدات، ألا تعرفن أن قطع حبل ولاء سنين مديدة من العشرة بسبب زواجكن، أو حصولكن على شهادة ما أو ربما هجرتكن إلى الخارج، يعتبر شيئا تافها وصبيانيا؟ لذلك أريد أن أذكرك يا عزيزتي أن تركك أو خيانتك لصديقة عمرك سيجرح مشاعرها فقط، بينما سيستأصل وسيغتال ما تبقى داخل قلبك من مصداقية. لتجدي نفسك في آخر المطاف شخصا بارعا في التظاهر بالحب والخير بينما أنت مجرد كيان محطم؛ يتغذى على النفاق ليعيش بقلب لا يعرف معنى لرعشة السعادة. كل هاته الحالات تدمي القلب، لكنها لن تصل أبدا إلى قساوة فقدان الصحة.

هل تفقهين يا عزيزتي معنى أن تتركك عافيتك وصحتك في منتصف الطريق وأنه لا سبيل لإرجاعها؟ ربما ستدركين جدية الموضوع إذا سبق لك أن عشت تجربة مرّة مع أحد أحبائك. غير ذلك فليس بإمكانك التفهم أبدا. أتدرين ما السيء في الأمر؟ هو أن تكوني شخصا غنيا، وقويا وناجحا وتملكين كل الإمكانيات الضرورية للعلاج، وأن يكون بإمكانك جلب أندر الأدوية الموجودة في أبعد منطقة في العالم، لكنها لن تنفعك ولن تشفيك؛ لأن سقمك لا حل له، لذا ستضطرين لانتظار أجلك أن ينتهي بوجل شديد. وما أصعب الانتظار! لكن أتعلمين ما الأسوأ؟ هو أن يكون للداء دواء غير أنه لا توجد الإمكانيات.

يعني أن لا حول ولا قوة لك. لا تستطيعين فك عجزك ولا إكمال حياتك، في تلك اللحظة بالذات ربما ستلعنين الفقر، والعوز والوطن وستكرهين الانتماء إلى بلد من بلدان العالم الثالث لن يعطيك حقك في التطبيب، حقك في الإنسانية والعيش الكريم أو حقك في عمر مديد، تشبعين فيه من ضحكات ابنك الرضيع، من قهوة أمك المسائية، ومن حنان زوجك، ومن مبارايات الشطرنج مع والدك ومن مناقراتك مع إخوتك، لتسأمي الوجود والمرض في آخر المطاف و تسألي الله المنيّة كرحمة وكنهاية لعذابك الأليم.