نفس مطمئنة راضية..

235

بين زحام محطات الحياة وفوضى فئات المجتمع المزخرفة الأنواع والأشكال، والمختلفة الأفكار والميولات…نجد نفسا تعيش بينهم وتحاول إثبات وجودها باستعمال شتى الوسائل المتوفرة لديها، نفس إذا رأيتها من بعيد ترى ابتسامة على شفتيها وروحا تضفي على الجو مرحا وسرورا. وإذا اقتربت أكثر وتجسست عليها بعين ثاقبة، لا تنفك إلا أن تقول أن هذه النفس يستحيل أن تزور حياتها المصاعب والعواصف المجتمعية، وستؤكد بعينين مغمضتين ما قلته وتختم عليها بخاتم السعادة والحياة المملوءة بالصدف الجميلة والحظوظ المتوالية، كأنها تعاهدت مع الدنيا أن لا يدق التشاؤم باب بيتها وأن يتنحى عن طريقها كلما مرت به كما كان الشيطان يتنحى عن طريق الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه…

نادرا ما نلتقي وبالصدفة أصحاب هذه النفس الجميلة…وكثيرا ما تتميز بمزايا وخصائص تغطي عن الضعف الذي تخبئه بين طيات روحها، فتجدها معطاءة تحب الخير وتضحي بما تحب لنفسها من أجل سعادة غيرها ولا تفارق الابتسامة محياها ويستحيل أن تكون صامتة على الإطلاق؛ فأصحاب النفس المطمئنة الطيبة يحبون الثرثرة والحوار والاندماج مع الأفراد، ويتمتعون بسحر غريب يجذب الناس إليهم ويجعلهم يتركون أثرا جميلا في قلوبهم…وكلما ذكر في أحاديثهم الإستثنائية قالوا: “فلان؟ الله يعمرها دار”.
بغض النظر عن الكم الهائل من الابتلاءات التي تتعرض إليها هذه النفس، فكلما كان الإنسان أكثر طيبة بين الخلق كان أشد ابتلاءا، والمولى عز وجل إذا أحب عبدا ابتلاه في ماله واهله وأولاده، فتجد هذه النفس أكثر عرضة للابتلاءات والعقبات، إلا أنها تستخدم سلاحها الفتاك “الصبر والإحتساب” رغم مرارته ووقته الطويل في إيتاء أكله…فهو سلاح خير البشر “الأنبياء والرسل”، وبه استجيبت دعواتهم ونصروا وانتصروا وفُكت كربهم وفُرِجت همومهم…وخير مثال قصة سيدنا أيوب ويوسف وأبوه يعقوب وكذا ابراهيم وابنه اسماعيل عليهم السلام ولا ننسى حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وأقول لك أيتها النفس المطمئنة الطيبة: كلما ضاقت بك الحال وأحسست بخيبة الأمل…اجعلي أحداث وعبر وقصص الصالحين قبلك عبرة لك، وتذكري على الدوام أن العسر واليسر وجهان لعملة واحدة. ..وأن ابتلاءاتك وصبرك عند الشدائد يزيد من محبة الله لك، فكلما أحب الله عبدا نادى الملك المكلف بالوحي جبريل عليه السلام وأخبره أنه يحب فلان فيخبر بدوره من في الملأ الأعلى أن الله يحب فلان فاحبوه فيحبونه، وتنزل محبته إلى الأرض وتنتشر…فهل هناك منزلة نطمع فيها أكثر من محبة الله لعبده؟
كلا والله…محبة الله لعبده منزلة وأيما منزلة..ولا ينالها إلا من كان نقيا وقلبه صافيا ينفر من كل ما يعكره ويسود ويلوث جدرانه..

فكوني طيبة وراضية بقدرك أيتها النفس…وأحبي لغيرك ما تحبينه لنفسك، وفرجي كربة عن أخيك في الدنيا لكي يفرج الله كَرْبك في الآخرة، واجعلي التواضع والابتسامة وحب الخير عنوانك دائما. ولا تخرِجي همومك وتبديها أمام الملأ، اجعليها سرا بينك وبين بارئك تحدثينه عنها عند سجودك وعند دعائك وتضرعك الدائم وإن طالت الاستجابة، فالمجيب سيستجيب لكنه يحب أن يسمعك تتضرعين أيتها النفس الطيبة…فصبر جميل ووعد الله حق وعلى نياتكم ترزقون، وكل دابة في الأرض جعل الله لها رزقها بوقت معلوم، فكوني نفسا طيبة، نقية، متواضعة، معطاءة، قوية، متفائلة، نفسا مطمئنة راضية.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}.