الغيرة على إهدار الوقت

182

يقال إن الاشتغال بالندم والغيرة على ضياع الوقت الفائت يضيع الوقت الحاضر، ولذلك يقال أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، إلا أنني أريد بتدوينتي هاته أن أعاتب نفسي وأعاتب من قد يكون على شاكلتي، وهم كثر، الذين لا يستغلون الوقت والزمن فيما ينفعهم إما لعدم إدراكهم لقيمة الوقت أو لعدم اهتمامهم بذلك.

فالوقت من أغلى ما وهب الله تعالى للإنسان وهو في حياة العالم وطالب العلم وغيرهما رأس المال والربح جميعا. فلا يسوغ للعاقل أن يضيعه سدى، ويعيش فيه هَمَلا سَبَهللا. فحسبنا أن نعلَم أن الله سبحانه وتعالى قد أقسم بالزمن في آيات جمة إشعارا منه بقيمة الزمن وتنبيها إلى أهميته فأقسم جل شأنه بالليل، والنهار، والفجر، والصبح، والضحى وغيرها.

أما السنة المطهرة فقد نبهت لقيمة الوقت وأهميته، فجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ”، فالزمن نعمة ومنحة كبرى، لا يدريها ويستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون الأفذاذ. لهذا يرى علماء الحديث أن لفظ “كثير” في الحديث الشريف المذكور أفاد أن المستفيدين من ذلك قلة وأن الكثير مفرط مغبون.

وفي قيمة الوقت قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: “صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين أحدهما قولهم: الوقت سيف فإن لم تقطعه قطعك، وذكر الكلمة الأخرى: ونفسك إن شغلتها بالحق وإلا شغلتك بالباطل.” ومن مواقف حرص السلف الصالح أيضا على الوقت قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “ما ندمت على شيء كندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي”، كما قال الخليفة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: “إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما”، وقال الحسن البصري: “يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك”.

فهكذا كان غلاء الوقت وقيمته وأهميته عند السلف الصالح، يتذاكرون به، ويعطونه أهميته، ومكانته التي يستحق، أما نحن فلا نلقي له أهمية ولا بالا. وإن تأمل بعضنا في الوقت الذي نقضيه في هذا الفضاء الافتراضي لصدمنا، وإن حاولنا ولو قليلا الخروج منه إلى العالم الواقعي واستغلينا الوقت فيما ينفع، لوجدنا أننا خسرنا الكثير داخله، وضيعنا الكثير خارجه. أصدقاء لم نلتقي بهم لمدة غير يسيرة، كتب في البيت غطاها الغبار ولم نقرأ منها ولو صفحة، صلة رحم قطعت في الوقت الذي نضيعه أمام شاشات الحاسوب، أو البرامج التلفزية التي تضرنا أكثر مما تنفع، وآباء أطفالهم يكبرون دون أن ينتبهوا لذلك لأنهم يقضون النهار في العمل والليل في مشاهدة مباريات كرة القدم.
لذا ينبغي أن لا نضيع أوقاتنا فيما لا ينفع، وأن نغتنم الليالي والخلوات. فليس كل ما فات يدرك، فمن غفل عن نفسه وضاعت أوقاته اشتدت حسراته، بعدما يتحقق من مقدار وقيمة ما أضاع، وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الرجوع إلى ما فات من الوقت، فلا سبيل لرد الأمس في اليوم الجديد.

ولا أريد أن يفهم من هذه التدوينة أن رأيي يذهب للقول أنه يجب أن تملأ وقتك كله بالعمل، وأن لا يكون فيه راحة ولا مرح، وأن تكون حياتك عابسة لا ضحك فيها ولا بشر. وإنما ينبغي أن لا تكون أوقات الفراغ طاغية على أوقات العمل، وألا تكون أوقات الفراغ هي صميم الحياة، وأوقات العمل فيما ينفع على الحاشية فقط، وأن لا تكون الغاية هي قتل الوقت فليست هذه بغاية مشروعة لأن الوقت هو الحياة، وقتل الوقت قتل للحياة.

وعسى أن تستفز هذه الكلمات الجانب السلبي في كاتبها وقارئها لنشعر معا أن علينا واجبا ملقى على عاتقنا هو الوقت، الذي ينبغي أن نستغله في تغذية عقولنا كما نغذي معدتنا فلا حياة لنا بدون غذاء ولا غذاء بدون محافظة على الزمن وكسبه، وعندئذ نرتقي ويرتقي المجتمع وأهله بيئة وفكرا وصناعة وإنتاجا وعطاء ونفعا.