لماذا القراءة؟

174

القراءة ليست تسلية كما يظنها البعض، بل هي ضرورة انسانية -إن لم تكن وجودية-يغفل عنها السواد العظيم منا، فلا وسيلة للنظر للعالم من زاوية أوسع إلا من خلالها أو من خلال التجربة طبعا لكنها -الأخيرة-تظل محدودة بالمجال الزمني، وهو عمرك القصير جدا بالنسبة لسيرورة العالم وبظروفك التي مهما كانت صعبة وكثيرة ومتنوعة لن تتعدى في أفقها قصة إنسان واحد. لولا الكتاب لما سافرت مع “اميلي انتومب” إلى مشرق الشمس، وخضت تجربة علاقة حب مع شاب ياباني لمدة سنتين تسلقت فيها جبل فوجي العظيم، وكادت عاصفة ثلجية أن تقبرني في الخلاء في “لا آدم ولا حواء”، ولما عملت موظفة بأكبر قطب تجاري بطوكيو، من خلال “ذهول ورعدة ” الذي عايشت من خلاله المعاناة الاجتماعية لبنات جنسي في أقصى الشرق.

لولا الكتاب لما عشت سنين طوال بين قصص وحكايات الحرب بإيران، ولما شهدت التغيرات السياسية والفكرية والتحولات الاجتماعية بطهران فعيون “آذر نفيسي” أدخلتني الى حقب زمنية غامضة، وأمكنة أزيحت من على الأرض كأروقة الجامعات والمنازل التي لم يذكر التاريخ الذي سنه وكتبه “الخميني” وأنصاره منها شيئا.
ما عشته مع” كاميليا انتخابي فرد” في زنزانتها الإسمنتية والفكرية لا تحتمله الا امرأة قوية ذات همة عالية وذكاء. فحمدت الله ألف مرة أني لم أولد في زمن حرب، وهي نعمة لا يدري حجمها الا أطفال مخيمات اللاجئين التي عشت فيها حكاية تراجيدية حقيقية مع “سوزان أبو الهوى”.

زرت اريتريا وعرفت بوجودها لأول مرة بحياتي مع “حجي جابر”، مرة في العاصمة مع “سمراويت” في قصة حب لشاب اريتري الأصل وسعودي المنبت من فئة “البدون”، وهي الأجيال المنحدرة من المهاجرين فهي مزدوجة الهوية من أصول مختلفة، ولدت وترعرعت بالسعودية لكنها تظل مرفوضة من بلدها الذي ولدت فيه، حتى أن بعضها لا يجد مدرسة تقبله أو عملا يسمح له بممارسته.
ومرة أخرى في الجنوب “مرسى فاطمة” مع علي ورحلته المضنية وترحيله الوهمي الى إسرائيل، وهروبه المفجع من شبكة الاتجار بالبشر وتشرده ايام وليال طوال بمخيمات الآرترية بالحدود السودانية.

لولا القراءة لما عرفت ب “رجل من هذا الزمان” تلك الشخصية الأنانية التي ابتكرها العبقري الروسي “ليرمنتوف”، ولما عرفت عن أخبث حقارة لبشرية في التلاعب بمشاعر الآخرين، لما تنقلت بين أرياف روسيا والقوقاز مع “تشيخوف” في رسائله العائلية، ولما عرفت أخبار الأدب والأدباء والمسرح والفنون كما تتجسد أنيقة في رسائله مع صديقه الأديب “جوركي”. ولما عشت أقصى درجات الخوف والندم في “الخوف”، وأقصى درجات الهوس بحب شخص ما كما عرفت في ” آموك”، ولما اكتشفت “مانديل بائع الكتب” تلك الشخصية التي يتمنى أي قارئ لقائها.

وهذا ما يجعل القراءة مسلكا سحريا لاختبار أحاسيس قد لا يتيح القدر لنا فرصة اكتشافها، كما بسطها وجعلها متاحة العبقري “ستيفان زفايغ” وخاصة في “فوضى الأحاسيس “، وأبرز موهبته الفذة في “السر الحارق ” عندما مكننا من اختبار الحياة بعيون الطفولة، وهو يحكي بلسان إدغار استغفال الكبار له.
فالكتاب يشبه الشمس اذ يذيب جليد الجهل من على عقول القراء كما قيل: “المشاة عطشى الى طوفان المعرفة وراء كومة الكتب المتراصة”، وإن بدى بعين المتعصب للجهل ليس الا رزمة ورق تحمل ثرثرة كلام تصيب المتصفح بالصداع، إلا انه بعين تلاميذه كان وسيظل المعلم المخضرم الذي يهذب نزق الفكر في ثورة الشباب، ويحيك المعرفة بالتجربة في الاربعينيات، ويجنب خرف التيه في أرذل العمر، ويوجه الإنسان الى الهدف الذي خلق له، ويقوده الى سلالم الرقي حيث يخلصه من دنس الخبث ويهبه ضياء الرشد مع كل درج يعتليه.
فهو الجليس الذي في حضرته تعرض عليك موائد العلم بسخاء منقطع النظير، تحمل أطباقا من الفكر والفلسفة والدين والتاريخ والمنطق والشعر والفن، ذي الاطباق التي تزيل جوع الأدمغة وتشبع شهوة الاكتشاف، فتغذي الانسان وتقيه فتك وألم الجهل، ولك بعد ذلك أن تتذوق شرابا عتيقا مخملي الطلة كخمر يذهب مرارة الواقع إذا ما شربته صرت سواحا بلا قيود، ممتطيا براقا يحلق جوا وبحرا وبرا، إنه إكسير الحياة لمحبي الخلود إذ لك فيه أن تعيش ألف وألف حكاية وأن تكون ألف وألف شخص بألف وألف حياة، إنه مشروب العارفين بقول: حياة واحدة لا تكفي وعمر واحد لا يسع.