السبيل لتحقيق الذات

188

لكل من أراد أن يكون لحياته معنى وينتشلها من براثن الضياع، فليعلم أولا أن الفعل يهزم عدم الفعل…
إن الحديث عن الإنسان هو حديث يبين أننا أمام ذات مفلولة يصعب تحديد جوهرها وكنهها، هو حديث يبين أننا إزاء ذات تحمل ما لا يعد ولا يحصى من الطباع والشخصيات، فضلا عن العواطف والرغبات…كون الإنسان كائن ألمعي مفلول، فهو دائم التخبط بين مطبات الحياة ويسعى بكل جهده باحثا عن معنى وجوده وعن كيفية تذوق طعم هذا الوجود.

إن التغيير عنصر أساسي، فهو المسبار الذي يقيس معنى الحياة التي يحياها الإنسان غير أنه يحمل في طياته خطوات عدة ويحتاج رغبة وإلحاحا…من أهمها:

أولا: التحرر والتخلص من أغلال الأفكار القديمة والرجعية التي ما فتئت سوى أن تردنا ألف خطوة للوراء، وقد أضحى فك أصفاد الماضي الخلاص الوحيد والسبيل الأمثل للدفع بأنفسنا نحو مرتفعات النجاح وترك منحدرات الفشل، وذلك يتأتى من خلال الثبات على مجموعة من المبادئ التي تصون سلامنا الداخلي وتحفز فينا روح البوادر كما تنمي الإرادة، والتي تقوم بدور المحرك الأساسي والداعم للتغيير الذي نحن على وشك خوضه، وحري بالذكر أن هذا لا يأتي إلا من خلال إعطاء عقولنا كل فرصة للإبداع والتميز الذي يستهدف الرقي مع مراعاة ملكة الأخلاق والتحلي بالإنسانية، بل وتبني قيمها على نحو منقطع النظير…

ثانيا: تقدير العقل والوقت، فهما من النعم التي لا تقدر بثمن وكنز لا ينضب والدليل حديثه صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ)). أما عن أهمية العقل فلن يختلف اثنان عنها، والدليل قوله تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، لقد خصنا الله تعالى بهذه النعم لنكون مختلفين عن باقي خلقه، وحتى نستغلها على نحو إيجابي يضمن لنا تحقيق نهضة واستفاقة ننفع بها ذواتنا بشكل خاص ومجتمعنا بشكل أعم، وما دام الإنسان يملك عقلا ووقتا فهو قادر على بلوغ أي شيء يريده بمشيئة الله تعالى، فقط من خلال الإصرار والمواصلة والتفكير الإيجابي المحفز، وكذا ترك كل فكرة سلبية قد تشوش على المسار والذي سيكون موفقا حتما إذا ما توفر العمل والاجتهاد، ولا يفوتني أن أؤكد على أن ضرورة التمتع بالرؤية الإيجابية أمر لا مفر منه وكما قال إيليا أبو ماضي: والذي نفسه بغير جمال *** لا يرى في الوجود شيئا جميلا.

ثالثا: التميز وهو كل شيء في الحياة، لذا وجب التحرر من سياسة القطيع وتجنب اتباع ما يفعله عامة الناس، بل محاولة الإبداع والابتكار، ودفع العقل إلى التفكير والتفرد، فكما نعلم يقينا أننا نحن البشر مختلفون وهذا الاختلاف هو فطرتنا وهو ما يجعل العالم مليئا بالغرائب والعجائب، كما يجعله فضاء شاسعا دائم التجدد والتقدم، فلو كنا بنفس العقل والنظرة ما كنا لنتطور أو نحقق شيئا فريدا، بل كانت لتكون الحياة روتينية لا تحمل في طياتها جديدا يذكر…ولا يعني التميز فعل نقيض ما يفعله عامة الناس أو محاجّة الناس على كل ما يفعلونه، بل دعوة فقط للنظر بعمق في أفكارهم، وعاداتهم وسلوكاتهم وتحليل تلك السلوكات بكل عقلانية وحزم، ومن ثم انتقاء خيرها واستخلاص الحكمة من سيئها ما دامت تلك الحكمة هي التي ننزجر بفعلها عن العديد من الهفوات، وتقينا السقوط في هوة ذات قعر سحيق.

أخيرا، جدير بالذكر أن طبيعة الإنسان اجتماعية وأن الإنسان كائن سياسي يشارك أفكاره ويحقق قيمته من خلال الغير في كثير من الأحيان، لكن لبلوغ سلم النجاح بكل مرونة وانسيابية لا بد من الاختلاء بالنفس أحيانا عدة، ليس انطواء أو قطعا للاتصال بالعالم الخارجي، بل هي استراحة محارب نقف فيها على مواطن ضعفنا وقوتنا، والشرط الأساسي في هذا الأمر هو معرفة وقت الاختلاء بالنفس للوقوف على زمام الأمور من جديد، وجرد الأهداف بل وتحديث عزيمة الذات…الوحدة مفيدة في كثير من الأوقات، فالجلوس بعيدا عن ضوضاء المجتمع وتفاهته أمر ليس بالهين بل يحمل في عمقه شجاعة بهية تنم عن مدى دهاء صاحبها…
الاختلاء مناسبة قيمة ودعوة جريئة للتفكر ومحاسبة النفس بين الفينة والأخرى، وكما هو معلوم أن العزلة مملكة الأفكار، فهي شعور عميق بمجابهة النفس ومواجهتها دون خداع أو مجاملة، لحظة تتفقد فيها مكامن الضعف والقوة في الذات وتتعلم فيها السبيل المتين لمصاحبة النفس بل وتمتين العلاقة بها بواسطة وشائج قوية لا تقهرها عقبة من العقبات.