الرعاية الربانية

400

على أعتاب باب الله حط الرحال، انزع الأقنعة وادخل لتستريح وتجتبيك رحمة الله الواسعة، سلطانك، وقوتك وجبروتك…كل هؤلاء ضعهم على جنب وارفع كفيك لتبتهل، دع الدموع تنساب على خديك فإن انسيابها على الله غير هين، اكشف عن جرحك الغائر واته بالضعف يردك بالقوة، تبثل إليه مغلوبا ينصرك، وإن لم يكن لك ولي فهو خير وكيل، استرح فلا ثمة تعقيدات مع الله، لا تخف ولا تقلق كل أمور الكون بيده، أنت عائد من الحرب لا محالة بعدما بدوت لعباد الله غريبا وسط فوضى العالم وشتاته، سيتجنبونك عند أول مصيبة تحل بك وستلعن أنت حظك العاثر وتقيم حدادا على قائمة المقربين الذين لم يكونوا كذلك، سيخذلك فلان ويشمت فيك الآخر بينما القلة القليلة من الناس قد تتعاطف معك وقد لا تفعل، المهم أنك ستكون في مركز ضعف والحال أن الذي خلقك أرادك عزيزا قويا.

يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} [ق: 16] أي سهو هذا وأي عمى قد يصيب بصيرة المرء ليتحاشى ويغفل عن هذه الرعاية الربانية. ما أوجدك إلا ليرعاك وسبحانه عينه لا تنام عن ذلك، عند أول وعكة لنا نضجر ونفر مفزوعين إلى العالمين الثقالى، هم أيضا المكتفون بما عندهم، نستفتيهم ونستعطفهم، يحصل هذا أيضا عندما يفرغ خزان القلب من الإيمان فيشعر المرء لحظتها بالضياع ثم يرحب العقل بأي فكرة مستغلا تعطيل نظام المعالجة، يصبح الشخص غير مبالٍ، ولو أنه جلس واستراح وتدبر لأثنى على الله نعمه الكثيرة.

قد تبدو الطريق إلى الله صعبة لكنها لا محالة موصلة، قد يبدو السرداب الموصل إليه متعبا لكن لا تنس أن الصلاح ليس كما الفساد؛ ذلك أنه من السهل جدا هدم بيت لكن من الصعب تشييده، قد يبدو مظلما لكن نور الله سيتسلل إلى داخلك ويجعلك تراها بعيون الصبر و الرضى منيرة، إنك وسط غمار الكون ذائب لا محالة فاختر أن تذوب بين يديه لا بين يدي خلقه، إنك ولو جمعت كل ضمادات العالم على جبر ألمك الغائر سوف تراه لك زائرا، ولو أن عباد الله كل عباده أرخوا مسامعهم لينصتوا إليك فلن يشفي ذلك غليل ما تخالج، دائما ما تبقى هناك نسبة غير محققة، قد تستصغرها أنت فتعظمها المواقف عندما تقلب موازينك  وتكون هي الدافع، تشعر أنك لم تصادف الخلاص بعد. شيء ما لازال عالقا في الداخل.
دعك من الهلوسات ودع قلبك يخطو إلى الله خطوة عساه يلقى ضالته فحب الله هو الملاذ الآمن، هو الوقود المثبت للأقدام والذي يشعل الأمل في الصدر ويشرحه، هو العقال الكوني الواصل بينك وبين من عداك من السائلين والمحرومين واليتامى، بكفاية خاصتهم يشتد ويتصل، وبنهرهم وتحاشيهم ينفصل رضاه برضاك عما تشاؤه، حاشاه بالشر قلبك متى منع عنك ما تحب أن يملأه، متى استعذت به من حزن لا يعاديك بل بمعيته عن الناس يغنيك، مع تدنيك وقصورك  عن فهم تجليك.

انفض عن عقلك غبار اليأس ودع عناكيب الإحباط تنصرف بخطوة، كن نفسك مع الله، فلو كل الأيادي أفلتت من يدك فإن يد الله لا تفعل.
كل العالم مليء بالإشارات الربانية، ينقصنا التأمل فقط، فما نطلق عليه تناقضا في الطبيعة والأذواق والعادات…هو بالكاد من رحمة الله بنا، إنها ترددات كألوان الطيف تزيد العالم تناسقا وانسجاما، وتجعل المرء متعطشا إلى المعرفة والاستكشاف أكثر فأكثر حتى يتأكد من أنه ليس ملاكا وأنه لا زال في الحياة ما يستحق التنقيب والبحث وأن الله وحده من يراعاه وسط كل ذلك.
يظل المرء يبحث عن الكمال في الناس ورب الناس صاحبه، فيظل أسيرا لعقدة وحلها على الله غير عسير…هي محطات وسنتجاوزها، هي اختبارات صحيح قد تكون شرنقة لكن بداخلها فراشة…انظر إلى الجانب المشرق وأدر ظهرك للظلام الدامس، ليس لأجل أحد ولكن لأجل الواحد الأحد، ما خلقك لتشقى وإنما لتعرفه فترضى.