ثقافة الاختلاف الفكري

124
إن الاختلاف الفكري فطرة بشرية ضرورية، فالإنسان بطبعه كائن يعيش ضمن الجماعة في علاقة تبادل مع الآخر للأفكار والإيديولوجيات لا تنتهي وهذا ما صنع ما نحن عليه اليوم من حضارة وثراء فكري، إذن فمن الرحمة أن خلقنا مختلفين مادام لكل منا عقل ليفكر، ليتدبر وليحلل بطريقته، وإلا فلن نكون أكثر شأنا من الدمى. ولأن مجتمعاتنا متشبعة بثقافة القطيع ونحب تنميط بيئتنا بلون ثقافي واحد فإننا نعاني الرفض لكل ما لم نعتد عليه وكل ما يخالف ثوابت المجتمع. وهذا ما نراه على شبكات التواصل الاجتماعي كمثال بسيط. عندما نجد طرحا يخالف أفكارنا أو معتقداتنا نكيل السب والقذف على الرأي الآخر ونقوم بشخصنة الفكرة مجاهدين في إثبات صحة ما نحمله بازدراء واحتقار،

وهذا ما يسوقنا وراء التطرف الفكري والتعلق برأي الذات وبالتالي ضرب مبدأ التعايش السلمي في الحقيقة عرض الحائط. ليس علينا أن نتحول إلى أعداء إذا لم نتفق، فمن السخافة أن يكون مفهوم القوة في الخلافات هو التراشق بالتهم والشتائم. كما ليس بالضرورة أن نشكل نسخا عن بعضنا لكي نستطيع تقبل الآخر والتعامل معه. وليس عين العقل أن يزعجنا اختلاف القناعات الدينية للآخر مسلما كان أو يهوديا أو مسيحيا أو حتى لاديني، وأن يزعجنا اختلافنا على ورقة بيضاء يراها الآخر سوداء.
لأن التباين الإيديولوجي أمر بديهي وارد، بل ضرورة لابد منها تأكد لنا أننا أحياء نرزق، وجب قبولها بعيدا عن التعصب والتشدد للهوية الواحدة بُغية تحقيق التعايش وخلق أرضية مشتركة بين الجميع، لأن الإنسانية توحدنا بالدرجة الأولى، ما يدل على الثقة في النفس والتصالح مع الذات ومع الآخر قبل أن يدل عن شيء آخر.
وأولى الخطوات نحو بناء مجتمع يؤمن بثقافة الاختلاف هي لزوم الوعي بإحياء لغة الحوار والفهم، الإيمان بمعتقد الاختلاف وأن حرية التعبير قضية واجبة في شريعة الرأي والرأي الآخر. ثم الاعتراف بكينونة الآخر المختلف عني. فكلنا نطمح إلى أن نجانب الحقيقة، وكل منا وصل إليها بطريقته، كلنا نؤمن أن قناعاتنا ومعتقداتنا ومبادئنا هي عين العقل والصواب بقدر إيماننا بأن الحقيقة نسبية وليست مطلقة، لكن هذا لا يعني أن نعارض الرأي الآخر وألا نعطي فرصة للحوار الفكري ونغلق أبواب النقاش لأجل عملية التصحيح الإيديولوجي.
فتعدد الحقائق ليس مدعاة للتفرقة بل بوابة لاكتساب المعرفة التي هي الحجر الأساس في التطوير والبناء والنهوض بالمجتمعات. فدعونا نعقد مهادنة فكرية بيننا، دعونا نجرب أن نقبل الآخر كإنسان فقط، دعونا ننشر الحب والسلام، فالاختلاف لا يفسد للود قضية.