أزمة مراهق

125

هناك أشياء لا تُنتسى مهما بلغنا من العمر عتيا، فمنها أحداث ومواقف حُفرت في العقل حفرا جذريا، وما كان للزمن الحق بأن يمحيها وما كان للعمر طاقة بأن يخفيها. هي أحداث قد لا تكون بالضرورة قصصنا أو أشياء عايشناها، وإنما كانت عبرا وحكما أُلقيت على مسامعنا في إحدى محطات حياتنا، مُعلنة عن انطلاق ثورة جديدة من الأحاسيس المنتفضة التي غيرت بعدها الكثير، والتي أتت وفي جعبتها عدة تساؤلات قد تصعب الإجابة عنها، تفسيرها، أو بالأحرى تقبل حقيقة وجودها. لعل قصة اليوم لم يكن مقدرا لها أن تُكتب، لولا لحظة الصمت تلك التي حركت بنفسي الرغبة في استحضار معالم الماضي. معالم استوقفتني فيها ذكراه، ذكرى شاب أو بالأحرى مراهق في بداية ربيع عمره. ربيع اتسمت ملامحه بالجحود وكأنها بداية خريف قاس أو منتصف شتاء قارص، ملامح جامدة لم يكتب لها الحق في التعبير عما يخالج تلك الروح الناشئة من أفكار متضاربة، وجروح دامية ووجع لطالما أبكاها في صمت طول السنين الماضية. هذا الصمت الطويل شاء أن يكسر الحاجز يومها، فلعل السيل بلغ الزبى وما عاد بالبال أو بالقلب متسع آخر لجرح أو صمت جديد. ذاك الحاضر الغائب الذي كان دائما ما يثير حيرتي، ويزيد من إصراري على ضرورة تحقيق الانسجام التام بين عناصر المجموعة، أُصدم به اليوم قد رضخ للأمر الواقع دون أية مؤثرات خارجية. فمع رنين الجرس المعلن عن استراحة منتصف الحصة، وجدت الكل يهرول إلى باب الحجرة الدراسية، كمن يعد الدقائق والثواني لوصولها، إنها دقائق الحرية المعدودة بالنسبة لهم، إلا شخصا واحدا. شخص استوطن آخر مقعد بالحجرة الدراسية، يتأمل العالم من تلك النافذة الزجاجية التي بجانبه، ويده الصغيرة تلامس خده، تلك اليد التي لا تكاد تحمل ذاك الرأس المشحون بهموم لم أكن أدري عن حقيقتها شيئا، وكنت أحسبها في كثير من الأحيان نوعا من اللامبالاة، التي لا أنكر أنها كانت تستفزني بشكل أو بآخر، إلا أنني كنت أغض الطرف عنها وأكمل ما كنت بصدد عمله كي لا أحمل الموضوع أكثر مما يستحق. لم أكن أدري أن ذاك الصغير الذي استوطن ناظري وقتها كان أكبر من سنه بكثير. فنظراته الحزينة التي استقبلتها نافذة الحجرة الدراسية لساعات وأيام، ما كانت تحسن من الوضع شيئا بل زادته سوءا، وضخمت من عمق الأسى الذي بعينيه. رغم جمالية المناظر التي كان يطل عليها، مناظر مبهجة ومفعمة بالحياة، مناظر من المفترض أن تسر كل ناظر. نعم كلهم باستثناء الشخص الذي يقابلني، والذي ما كانت تزيده هذه النافذة إلا حزنا وبؤسا. هذه الملامح الحزينة كانت تزيد من حيرتي وتفكيري كلما نظرت إليها، محاولة استنباط ما تخفيه عن العالم من أحاديث وقصص. فكيف لمراهق بهذا العمر أن يقاوم كل معالم الحياة التي تحيط به؟ كيف له أن يظل جامدا هكذا يرمق النافذة بنظرات حزينة؟ أسئلة اعتقدت وقتها أنها جوهرية، بينما هي الآن ليست سوى أسئلة في غاية السذاجة، لأن تلك العينين البنيتين الصغيرتين لم تكونا يوما تريان شيئا سوى انعكاس صورتهما على تلك النافذة، لم تكونا تريان سوى تلك الذات الواهنة والروح المنكسرة. كانت نظرتهما أعمق من أن يستوعبها عقلي. وكانت أعمق من أن تستوعبها فتاة مبتدئة ليس لها أية دراية بمثل هذه الأمور المعمقة والمعقدة. أتذكر مناداتي عليه باسمه ليغير مكانه ويجلس بالصفوف الأمامية، كان واضحا للعلن توتره وهو يلملم مجلداته وكُراسته. خطواته المتقاربة كانت أكبر دليل على أن روحه طريحة الأرض ولا تقوى على النهوض، رغم محاولاته المتكررة لإخفاء تلك الحقيقة إلا أنها كانت جلية للعالم أجمع. فصورة تلك القدمين المتثاقلتين التي لا أقوى على نسيانها، عبرت في صمت عن حقيقة جسد هزيل أُثقل بهموم الحياة وأضعفته مطبات الدنيا. حاولت اختلاس وسرقة بعض الكلمات منه لعلي أفهم ما يمر به، إلا أنني صدمت بسيل من المشاعر التي لم أتوقعها يوما، سيل أفاض بكل ما في جعبة هذا المراهق من أقاويل طوال. لتبدأ قصته من هنا، قصة لا تزال كلماتها وجملها محفورة في ذاكرتي، ولا يزال صوت صداها يتردد في أذناي إلى حدود يومنا هذا، صوت مشحون بمشاعر الغضب، الحزن والشفقة، تتوسطه لحظات تمتمة وفقرات بكاء عارم. ليقول بصوته الخافت : ” لم أكن يوما كبقية أقراني يا آنسة، لقد تربيت وعشت في كنف جدتي السبعينية، قد يتبادر إلى ذهنك الآن أني طفل يتيم، أو إنسان متخلى عنه، إلا أنني أحبذ الخيار الثاني، فأنا بالفعل إنسان متخلى عنه لكن بطريقة شرعية، لأني أعلم جيدا من تكون أمي ومن يكون والدي، إلا أنني لا أتذكر من طفولتي معهما شيئا، فكل ما علق بذاكرتي هو فقط تلك الأيام التي عشتها مع جدتي، ولعل أيامي كلها كانت معها منذ البداية. بداية كانت بانفصال والداي واختيار كل واحد منهما العيش بطريقته الخاصة، دون إبداء أي اهتمام أو اكتراث بمصير تلك الروح الصغيرة التي لم يكن بيدها حيلة. نعم لقد تركاني وحيدا بين أحضان جدتي– الأرملة- لتهتم بي ولا أدري ليومنا هذا أ كان من المفترض أن تهتم بي وقتها أو أن يُهتم بها، لعل كلانا كان في حاجة ماسة إلى الآخر. فأنا أحتاج حنانا فقدته وهي تحتاج ونيسا يلون ظلمة أيامها ولياليها، حاجة حكمتها الرأفة والمحبة، حاجة اختلفت كليا عن تلك التي كان يسعى والداي وراءها. فمنذ طلاقهما أصبح كل واحد منهما يعاقب الآخر بي، كلعبة يمتلكانها أو كورقة ضغط يستحوذان عليها ليضعف كل واحد منهما الآخر. لقد كانت هذه حقيقتي وروتيني إلى حين زواج والدي. وقتها فقط لم أعد تلك اللعبة التي يقذفانها أو ذلك السلاح الذي يصوبانه في وجه بعضهما البعض كلما التقيا. وأخيرا انتهى دوري في هذه اللعبة لأفسح المجال لدخول عنصر آخر جديد. دخول مدو لزوجة والدي افتتح بعرس ضخم لم تظفر به حتى أمي.

ففي ظل مجتمع ذكوري محض كان من واجب والدي أن يتزوج كي يُظهر للعالم أو بالأحرى ليظهر لوالدتي أن حياته لم تقف عندها، وأن سعادته بدأت بعد انتهاء قصتهما، وكأنها كانت جالبة للحظ السيء فقط. رسالة مشفرة كانت تصلها في كل مجلس نسائي. مما كان يزيد من لهيب النيران المشتعلة في صدرها. فلعل عائلة والدي لم تكن هي الأخرى تنفك تذكرها في كل حين، لتدخلها في متاهة من المقارنات بين الخير والشر، بين الشيطان والملاك… مقارنات عززتها الصورة النمطية للمرأة المطلقة في مجتمعنا العربي، والتي يقع على عاتقها حمل ومسؤولية فشل كل زيجة. زيجة كانت بمثابة صفعة مؤلمة لوالدتي، تركتها تتخبط مكانها تفكر كيف ترد الصاع له صاعين. تفكير لم يدم طويلا، ليكون الرد بالمثل. نعم لقد تزوجت هي الأخرى وأسست عائلتها،

وكان من أبرز شروطها أن تغير مكان إقامتها، أن تغير المدينة برمتها. فلعلها كانت تحاول بفعلتها تلك الهروب مما عانته هنا، أو تكسير كل القيود التي كبلتها لسنوات، أو أنها كانت تبحث عن بداية جديدة تنسيها ما كان. بداية لم تشملني ولم أكن ضمنها، كيف لها أن تشملني؟ وأنا ماضيهما المشترك الذي يَتمنيان لو أنه يُمحى من ذاكرتهما إلى الأبد. ذاك الصغير المتخلى عنه قد كبر بين أحضان جدته، تتقاذفه الحياة تارة هنا وتارة هناك. ذاك الصغير المتخلى عنه أصبح شابا ناضجا الآن، يعي كل ما يدور حوله من أحداث. ويا ليته ظل صغيرا. صدقا يا آنسة كم أتمنى لو ظللت صغيرا. لكانت الحياة أسهل وأهون بكثير، يا ليتني أوقفت الزمن وقتها لكي تَنْطَلِيَ علي كل حيل وكذبات جدتي، ومراوغاتها للإجابة عن أسئلتي،

مراوغات كانت تتمثل في أشياء بسيطة كرشوة صغيرة من بعض الحلوى أو نزهة سريعة بالحديقة المجاورة لمنزلنا، أقصد منزلها. ذاك المنزل الذي سيرته لسنوات بما تبقى لها من معاش جدي المتوفى، معاش بسيط للغاية. إلا أنها كانت امرأة مدبرة بحق، فبالرغم من قِلَّته إلا أنها كانت تضمن لي بين الفينة والأخرى مصروفا أقتني به ما أحتاجه، مصروفا أصبحت يداي تعجز عن أخده فهي أحق به مني، فأنا لست بمسؤوليتها، فكيف أُحملها ما لا طاقة لها به؟ وكيف لي أن أُدفعها ثمن ذنب لم تكن بفاعلته ولم تقترف منه شيئا. كم هي بريئة للغاية، فقد كانت تعتبر رفضي لأخد النقود نوعا من التكبر والغطرسة. رغم أنها لم تكن تدري شيئا عما يدور بداخلي، إلا أنها كانت تُلقنني ساعات محاضرات من التوبيخ والوعيد، تذكرني خلالها أن هيئة الرجل التي تمثل أمامها الآن، هي من كونتها بنفس المصروف الذي أرفضه اليوم.

لم تكن تدري أن الرجل الذي أمامها بالفعل صار رجلا بفضلها، ليس بنقودها أو مصروفها، وإنما بحنانها الذي احتواه لسنوات وحبها الذي غمر قلبه ليالي ضعفه، وجسدها الهزيل الذي لطالما استوطن جنبات سريره ساهرا الليالي أوقات علته ومرضه. إنها جدتي وكل ما أملك، فهي من عوضت غياب عنصرين أساسين من حياتي، عوضت حضورهما الشكلي الذي تمثل لسنوات في مكالمات هاتفية قصيرة ومتباعدة. بالإضافة إلى زيارات تُحدثها فقط الأعياد والمناسبات الخاصة، والتي لولاها لما كان اللقاء من الأساس. هذا ما اعتقدته لسنوات ومن المرجح أن أكون خاطئا، إلا أن نسبة هذا الأخير تظل ضئيلة جدا، فهذه الفكرة لم تأت من العدم بل عززها غيابهما المتكرر والمطول عن أهم مراحل وفترات حياتي. إنها الفكرة الوحيدة التي كان من الصعب التغاضي عنها أو تجاوزها، خاصة في ظل نفاذ كل الأعذار والتبريرات التي صغتها لهم لأخفف من لهيب النيران المشتعلة بداخلي. غيابهما هذا لطالما كانت تلتئم جروحه وتخف أوجاعه شيئا فشيئا كلما تباعدت مواعيد اللقاء. مواعيد دائما ما كانت تحمل في جعبتها أحاسيس كبيرة، فعند وصولها فقط تعود إلي كل الذكريات والأوجاع لتطرق بابي وتسكن قلبي من جديد. دائما ما كانت تعود لتدمر كل تلك الحصون التي بنيتها، وكل تلك الموانع التي شيدتها، فبربك كيف لها أن لا تسقط؟ وهي حصون رخوة الأساس وهشة الدعائم. لقد كان لصورهم العائلية الموزعة في كل ركن بمنازلهم– والتي من الواضح أنها لا تشملني- أثر سلبي علي،

رغم إخفائي لهذه الحقيقة عنهم، إلا أنني دائما ما أحسست بنوع من الشفقة تُجاه نفسي، كيف لا؟ وأنا ذلك الحاضر الذي لا ينتمي لأحد، ذلك المغترب وسط أقرب الناس إليه، أتدرين يا آنسة، لقد كنت أحس بنوع من الغيرة تجاه إخوتي من الطرفين على حد سواء. رغم حبي اللامشروط لهم، إلا أني كنت أغار من كل تلك التفاصيل الصغيرة التي يملكونها، كتلك الأمور الروتينية التي يتشاركونها مع والداي، أو تلك القصص التي يحكونها عن معارفهم، لقد كنت أغار من تلك الساعات والأيام التي يقضونها مع والداي ويشاركونها خلالها أطراف الحديث، في حين أنني لا أظفر بربع ما لديهم من وقت ومشاعر. قد أكون أنانيا أحيانا، فأتوعد نفسي بعدم الذهاب لزيارتهم مرة أخرى، إلا أن هذه الروح لا تنفك تبحث عن أبسط الثغور والهفوات كي تعصيني، بحيث لا أقدر على عد الليالي التي اعترت قلبي غصة اعتصرته بشدة، فقمت أحمل الهاتف لأحادثهما، علهما يخففان من حملي شيئا، ولعلي أكون كاذبا إن قلت لك أنهما لم يقوما بشيء، بل كانا يفعلان ما استطاعا وكان ذلك جليا في نبرة صوتهما ولحظات صمتهما المطولة، إنها مكالمات دائما ما كانت تنتهي ببكاء لا يدري عنه أحد سوى وسادتي، بكاء يغافله النوم لأستيقظ بعدها على نفس الواقع ونفس الصوت المعتاد، صوت جدتي الحبيبة الذي تعودت على سماعه في منفاي”.

لينهي هذا الصغير قوله ها هنا، والدمع يسكن عيناه، لقد أنهى رواية مأساته، مأساة جسدتها ملامح وجهه بكل تفاصيلها، فكل جزء من ملامحه قال الكثير بدءا من خديه المحمرين، وصولا إلى ذقنه المرتجف، وأسنانه التي تمسك شفتاه كأنها تحاول أن تكبح وتكبل ذلك اللسان كي لا ينطق مرة أخرى، أو حتى أصابع تلك اليديين اللتين تتشابكان كلما استأنف الحديث مرة أخرى، إنها ملامح أحدثت تناغما مع ما يجول في داخله، وكانت صورة معكوسة للألم الذي يعانيه. صدقا، إنها أول تجربة من هذا القبيل، أصادفها خلال مسيرتي، تجربة وإن جسدتها في كلمات معدودات لن أوفيها حقها، ولن أوصل منها شيئا، فتجربة الطلاق بشكل عام لها تبعات كبرى، خاصة في ظل تواجد أطفال صغار، ليس لهم أي ذنب فيما حصل، ذنب للأسف هم من يدفعونه في ظل غياب الحوار والتفاهم، فليس الطلاق بالضرورة نهاية ودمار الأسرة بأكملها، بل هو نقطة فاصلة وجب التعامل معها بوعي ومسؤولية، فلا يوجد بالعالم كله شرع أو قانون يعطي الحق لكل من الوالدين أن يتناسيا مسؤولياتهما سواء المادية أو المعنوية، ولعل ثانيهما هي الأهم فلا ثمن يشتري الاهتمام، والحب والمودة، ولا ثمن يشتري قيمة تواجد السد في حياة كل واحد منا، فرفقا بصغار القلوب وكبار العقول.