النزاهة

101

“أفضل شاهد على قبرك يوم تموت هو شخصيتك الجيدة، انحت اسمك على القلوب و ليس الرخام”.

تشارلز سبورجون

لا أعرف شخصا واحدا يصف نفسه بافتقاده النزاهة، حتى لو وصفنا آخرون بأننا “غامضون أخلاقيا” أو حتى لو قمنا بأشياء مشبوهة في حياتنا. فإننا لا نزال نرى أنفسنا نزيهين.

أحاول التفكير في آخر مرة قرأت أو سمعت أحدا يقول كلمة “نزاهة” (ربما في بيان لمهام المقاولة).

لا يتم الحديث عنها كثيرا، الأمر غريب بالنسبة لي، افتراض أننا كلنا أوصدنا عليها الباب وأحكمنا الإغلاق إلى جانب تعتيم المحادثة حول الموضوع، يعد أمرا خطيرا،  فبدون هذه الصفة سنفقد الثقة في بعضنا البعض، إ‫ذ تعد واحدة من أسس التفاعل البشري. لن نستطيع القيام بصفقات تجارية أو شراكات أو روابط زواج مبنية على أساس سليم، لن نستطيع أن نثق حتى في قراراتنا الخاصة.

إذا كان تعريف النزاهة هي الاستقامة الأخلاقية، و كان وصفها بعبارات عملية لا تظلل أحدا،  فلماذا نسارع للمطالبة بهذه الفضيلة؟ أي مقياس يخول لنا معرفة ما إن كنا أشخاص نزيهين أم لا والأدهى من ذلك، إن افتقدناها فهل يمكن زرعها من جديد؟

لماذا النزاهة مهمة؟

بلا نزاهة سيتحول العالم إلى سحابة عيش الغراب (هي سحابة من الدخان الكثيف واللهب والحطام تأخدذ شكل نوع من الفطر يدعى عيش الغراب). يمكنك ‫أن ترى آثار فقدانها أينما حللت وارتحلت.

يموت العديد من الناس بسبب الحاجة إلى العمل أو التقاعد والتأمين الطبي المسروقين، هناك تقصير في حياة كبار السن عندما يقعون في قبضة الشركات الكبرى، لن يحس بذلك سوى القرى الصغرى في بلدان العالم الثالث التي تتلقى الحد الأدنى من التنظيم البيئي لتتفرغ النفايات في أنهارها أو أحواضها الخلفية.

يموت الناس أيضا عند افتقار الحكم إلى النزاهة. فالبداية الايديولوجية ثم امتداد حرب الفيتنام يظهر للعيان مدى الدمار المخلف عندما تكون الحكومة بعيدة كل البعد عن النزاهة.

” أسفرت حرب الفيتنام عن خسائر بشرية هائلة من حيث الوفيات، تتراوح تقديرات عدد الجنود و المدنيين الفيتناميين الذين قتلوا من 800000 إلى 3.1 مليون،  كما توفي أثناء القتال ما بين  200000 و300000 من الكمبوديين و من 20000 الى 200000 من لاوس و 58220 من القوات المسلحة الامريكية و فقد 1626 آخرون خلال المعركة.”

هذه الخسائر لا تشمل اضطرابات ما بعد الصدمة، الانتحار والتقصير في حياة قدامى المحاربين والمدنيين الذين فقدوا أحباءهم .

تدمر حياة الناس على نحو تصويري عندما يرتمي شخص يفتقر إلى النزاهة في دراما الإدمان، الاعتداء على الاطفال أو الزوجة، أو بمجرد كونه شخصا بدون قيمة مدمر لمن حولهم أيضا .

في المقابل هناك أمثلة عديدة تساعدنا على استرجاع الثقة من جديد في الإنسانية.

قيادة حركات الحقوق المدنية وخلق حلول دبلوماسية للتوترات الدولية أو الحفاظ على الوفاء للموظفين والزبائن. تمثل هاته الأمور تنهيدة الراحة بعد التعب حتى إننا في لحظة ما نعتقد ” الإنسانية نعمة حصلنا عليها”.

النزاهة هي الشمعة ( بصيص الضوء) وسط الظلمة، هي التي تفرض علينا أن نعلم من نحن و أن نظل في انسجام دائم مع قيمنا. إنها الأداة والمعيار عند اتخاد أي قرار،  إنها “التغيير الذي نود رؤيته في العالم”.

تعريف النزاهة

يبدو أننا جميعا خلقنا مفاهيم مختلفة للنزاهة، وهذا على الأرجح، السبب وراء مطالبتنا بها جميعا. هل نذكر الصدق؟ الأخلاق؟ الانسجام أو التناسق؟ التشبت بالمبادئ؟ ما الذي يصف النزاهة بالضبط كمخلوقات اجتماعية ننشئ قوانينا ناطقة وعقودا غير معلن عنها للمساعدة في توجيه سلوكنا، لكن النزاهة لا تعتمد على تلك العقود، هي” أن تفعل الصواب حتى لو لم يرك أحد” و ” أن تفعل الصواب حتى لو كان مؤلما”.

و هكذا على الرغم من أن نتيجة النزاهة قد تختلف من شخص لآخر، فإن ما يقيم النزاهة يبقى نفسه: الانسجام والتناسق الداخلي، أساس المبادئ، الصدق اتجاه النفس و السلوك الملتزم بهذه المبادئ.

هذه الاخيرة لا تعتمد على الوسط أو البيئة، إنما هي مسلمات شاملة تحملها معك بغض النظر عن السياق. إذا طبقت مبدءا على موقف ما و شعرت بأنك لست على الطريق الصحيح، قد ترغب بإعادة تقييم المبدأ نفسه.  من الجميل أن يكون الإنسان مرنا لأن الهدف هو الاستماع إلى الحكمة الداخلية وليس الخضوع للقواعد.

عراقيل أو معيقات النزاهة  :

“كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في .التعاسة” ليو تولستوي، آنا كارنينا

قام “جارد دايمند” في كتاب” أسلحة جراثيم وفولاذ” (أحد أهم الكتب بعصرنا في رأيي) بتعميم ما يسميه الاحصائيون مبدأ “آنا كارنيكا”.

في الإحصاءات الاستنتاجية، “هناك  عدد من الطرق التي قد تنتهك بها  البيانات الفرضية الفارغة لكن واحدة  فقط هي التي تحقق جل الافتراضات “، ببساطة وبإسقاط هذا المبدأ على موضوعنا،” هناك الكثير من الطرق للتخلي عن النزاهة وطريقة واحدة فقط للحفاظ عليها‫”.

  اللعبة المطولة

النزاهة هي لعبة طويلة الامد، والجوائز هي علاقات أفضل وعمر طويل ووجود أكثر سعادة. لكن الافتقار إليها تدفع ضريبته الآن.

قصر النظر هو أكبر عقبة أمام الانسجام الداخلي، يبدو الأمر منطقيا لأنه على مر التاريخ كان أكبر همومنا هو النجاة بحياتنا، لأن لعبة البقاء كانت قصيرة ولازالت كذلك بالنسبة للبعض على هذا الكوكب. ولكن إذا كان لديك اتصال بالإنترنت وجهاز تستخدمه لقراءة هذه المقالة، فمن المحتمل أنك في وضع أفضل من ذلك. وإذا كنت لا تزال تلعب لعبة قصيرة النظر، فقد ترغب في إعادة تقييم استراتيجيتك.

العقلانية

لقد أصبح البشر مهتمين كثيرا بترشيد سلوكاتهم السيئة، هذا يجعلنا نوهم أنفسنا أننا نزيهين، كلما كنت أفضل في التعامل مع الآخرين، كنت أفضل في التحدت عن نفسك .

تعتمد العقلانية إلى حد كبير على الأعذار والسياق. لكن تذكر أن أساس مبادئنا لا يعتمد عل السياق، في نهاية المطاف نستمع لحكمتنا الداخلية، ليس لمجرد الرد على موقف ما. يمكننا استخدام السلوك التوضيحي كإشارة إنذار في حالة الخروج عن المألوف.

تطوير النزاهة

تطورت الكلمة من الصفة اللاتينية التي تعني “كامل أو كل” أو “مكتمل”

إذا كنت قد عانيت في أي وقت مضى من ظاهرة الكثير من الأصوات بداخلك ولكل منها أجنداتها الخاصة، فهذا لا يجعلك مجنونا. إنما يجعلك بشرا. نحن مزيج من الاستراتيجيات المختلفة للتعامل مع الحياة، و لكل واحدة من هذه الاستراتيجيات صوت.

الكمال يعني الاعتراف بأنك كل هذه الأصوات. هذه كلها جوانب متعددة من الأنا و شخصيتك وهويتك …بغض النظر عما تريد تسميتها.

ربما تم تطوير هذه الجوانب من هويتك أثناء الصدمة أو سوء المعاملة، وهي تصبح قبل كل شيء واقيا ذاتيا. من المؤكد أن الوعي هو سمة عملية في الحياة، ولكن عندما تظهر استراتيجية ما أثناء الألم أو ظروف الصعبة للغاية، فإنها عادة ما تولد نسخة غير مرغوب فيها للحفاظ على الذات.

عند فهم “النزاهة” التي تضم سؤال “من نحن”، أن تكون صادقا مع نفسك يتضمن الإقرار بالأجزاء غير النافعة ومشاهدتهم من يحاولون  السيطرة على عجلة القيادة. لضمان الفوز في أكثر الأجزاء صحة، اتبع العبرة من “حكاية الذئبين”:

رجل عجوز كان يعلم حفيده الحياة …

قال للصبي: “الحرب تدور بداخلي”.

إنها معركة رهيبة وبين ذئبين.

“واحد شرير هو الغضب، الحسد، الحزن، الأسف، الجشع، الغطرسة، شفقة النفس، الذنب، الاستياء، الدونية، الكذب، الكبرياء الخاطئ، الشك في الذات والأنا، التعالي”.

مقالات مرتبطة

والآخر طيب –  الفرح، السلام، الحب، الأمل، الصفاء، التواضع، اللطف، المحبة، التعاطف، الكرم، الصدق، العطف، التآزر والإيمان”.

“هذه المعركة نفسها تدور بداخلك – وداخل كل شخص آخر أيضا.”

فكر الحفيد في الأمر لمدة دقيقة ثم سأل جده: “”من سيفوز الذئب؟”

أجاب الجد ببساطة: ” الذي تطعمه”.

باستثناء أولئك الذين يعانون بشكل مأساوي من اضطرابات الشخصية المعادية للمجتمع، فإن معظم أعمال العنف والقمع وخيانة الأمانة ليست علامات على النزاهة أو التكامل مع الذات. إنما علامات على وجود علاقة مفككة معها، متجاهلا بذلك “الذئب الطيب وتغذي “الذئب السيئ” دون وعي.

السبب الكامن وراء كل التعقيدات التي طورها البشر اجتماعيا ونفسيا هو الرغبة في حياة مستدامة. كونك الأحمق المجنون بالنسبة للآخرين قد يشعرك بانخفاض عليهم مؤقتا، ولكنه يخلق ديناميكية لا تخدم الحياة المستدامة. سنحتاج في النهاية إلى الآخرين، كما وجدنا منذ مئات الآلاف من السنين..

لهذا السبب ندعو اللعب بشكل جيد مع بعضنا البعض “صحي”. الصحة هي كلمتنا عن “الحياة المستدامة”، والسلوكيات المرتبطة بـ “الذئب الطيب” تمنحنا فرصة أفضل لحياة أطول. يتقلص توترنا لأننا لا ننظر مجازا فوق كتفنا توقعا للانتقام. يعطينا الناس قيمة حينما نعطيهم قيمة بالمثل..

إذا طورنا حساسية كافية لهذه الديناميات، فإن أجسامنا ستخبرنا في حالة الخروج عن الانتظام مع الذات. التوتر هو طائر الكناري في منجم الفحم.

مهارة وليس موهبة

كما هو الحال مع كل الأشياء، تبرز النزاهة من نظام كامل مشغل‫، يتضمن النظام مكونات مثل التأمل في الذات الباطنية، والرغبة في الانسجام، والوعي الذاتي، والصدق، والصحة العاطفية والانضباط الذاتي.

إن الشيء العظيم في هذا النظام هو – على عكس الأنظمة الأخرى في حياتنا – نملك القدرة على التحكم في كل جانب من جوانبها تقريبا. حتى لو لم نكن “طبيعيين”، فهناك تخصصات لتدعيم كل عقدة.

التأمل

يساعد عمل إيكهارت توللي الحالي على بناء التأمل. نلاحظ أفكارنا بدلا من ربط أنفسنا بها. مع مزيد من الانضباط النفسي، من الممكن تقييم ما إذا كانت هذه هي الأفكار التي نريدها. (أشير إلى أسلوب توللي في مقال : (How to Develop an Empowering Mindset)

الانسجام

من الأماكن الجيدة للبدء في بناء التوافق مع نفسك هو فهم نوع شخصيتك ونوعك الديناميكي. يوضح نموذج الوظيفة الإدراكية (أو ما نسميه طراز السيارة) كيف يكون عقلك موصلا سلكيا بشكل طبيعي، غالبا ما نتعارض مع أنفسنا تحت ضغط الآخرين الذين يتم توصيلهم بطريقة مختلفة عنا‫.

مجرد معرفة مجموعتك من نوع السيارة وطرازها يجعلك تفكر في كيفية عملك بطريقة لا تتوافق مع نفسك‫.

الوعي الذاتي:

على الرغم من أن التأمل الباطني يسمح لك بالتعرف على تضاريسك الداخلية، فإن الوعي الذاتي يشجعك على أن تكون صادقًا أثناء الاستكشاف. أنت لست مجرد مراقب، بل أنت تقر وتقبل ما تراه، وتصنع السلام مع “ما هو”، وتتعامل بشكل أفضل مع رغبة الأنا في الإرضاء الفوري.

التأمل والكتابة والعلاج والمحادثات مع الأصدقاء النزيهين كلها أدوات مفيدة لزيادة الوعي الذاتي.

الصدق

قاعدتي المفضلة لزيادة الصدق هي الصدق الراديكالي عند براد بلانتون، يجد بعض الناس أنه “كثير جدًا” بعض الشيء، وقد تختلف انطباعاتك.

بالنسبة لأموالي، إنه أكبر دليل للقضاء على الأكاذيب “المهذبة” التي تقيدنا بهوية اجتماعية متماشية مع حكمتنا الداخلية

الصحة العاطفية:

معظمنا يتعامل مع صدمات عاطفية خارجة عن إرادتنا. ومع ذلك، فإن صحتك العاطفية تحت سيطرتك بالكامل وهناك موارد لا حصر لها لإرشادك خلال رحلتك…

بالنسبة لأولئك الذين يتعاملون مع الصدمات الكبيرة، يمكن أن يكون العلاج المنقذ. لمزيد من التجارب المؤلمة التي يمكن التحكم فيها، الإنترنت قد يكون هو أفضل صديق لك. ما عليك سوى البحث عن “تطوير الصحة العاطفية” في أي محرك بحث وستحصل على كنز. لقد استمتعت بشكل خاص بهذا المقال. يبدو أنه يغطي جميع القواعد عن كيفية تعاملنا مع أجسادنا إلى كيفية تعاملنا مع الآخرين.

وبالطبع عليك القيام بالعمل، وليس فقط قراءة حول هذا الموضوع.

الانضباط الذاتي:

تذكر عندما عرّفنا النزاهة بأنها أن “تفعل الشيء الصحيح حتى عندما لا ينظر أحد” يستخدم معظمنا ضغوطا اجتماعية لتشجيعنا على فعل أشياء لا نريد القيام بها. لكن النزاهة هي عدم وجود شيء من هذا القبيل. تتطلب قوة الإرادة من جانبنا للمتابعة.!

يتم اكتساب الانضباط الذاتي بمرور الوقت، لذلك لا تتردد في البدء صغيرًا. تتبع نشاطًا واحدًا – قُل ونفّد – واشترك في هذا النشاط لمدة 5 دقائق. استمر في العمل لمدة 5 دقائق حتى تصبح عادة، ثم ارفعها إلى 10 دقائق. وهكذا دواليك.

بمجرد حصولك على بعض التحكم، واحدة من أفضل الطرق لتطوير الانضباط الذاتي على نطاق أوسع هو ألا تعطي لنفسك أي خيار.

يصفه مرشدي “ايبين باكان”، بإلقاء قبعة على السياج، أنت كل شيء وتكون مسؤولاً تمامًا عن نهاية اللعبة. طريقة أخرى لصياغتها هي “المساءلة القسرية”.

كنت أعرف شخصًا كتب شيكًا بقيمة 100 دولار لمجموعة من المتعصبين البيض، وأعطاه لصديق موثوق به وقال: “إذا لم يتم تنفيذ مشروعي، فأرسله عبر البريد”.

الآن هذا شيء مخيف. إذا كان صديقك شريكًا حقيقيًا مسؤولًا ولم يصل مشروعك في الوقت المحدد، فقد مولت للتو شيئًا يمكن أن تعاقب عليه حقًا. (قد يكون الاختيار الأقل إثارة للجدل و/ أو المرعب للكتابة هو حزبك السياسي المعاكس).

البدء صغيرًا ثم التوسع عن طريق رمي قبعتك فوق السياج هما استراتيجيتان من بين العديد من الأساليب لتطوير الانضباط الذاتي.

آخر فكرة

النزاهة هي مفتاح التحول لكي تصبح التغيير الذي تريد رؤيته في العالم. إنها صحية عاطفيا ونفسيا وجسديا. إنها تجعلك أكثر سعادة بشكل عام، وتزيد من احتمالات عيشك لفترة أطول وتساعدك على الراحة ليلا.

يتطلب الأمر شجاعة، وهذا شيء نحتاج إلى رؤيته أكثر في العالم.

كما قال جيري جارسيا : “إذا كانت لدينا الشجاعة، إذا كانت لدينا معارك حقيقية كمجتمع، أو ما تحتاج إليه، أيا كانت الجودة التي تحتاجها، أيا كان الطبع الحقيقي، فإننا سنبذل جهدًا لمعالجة الأخطاء في هذا المجتمع حقًا ..لبناء النزاهة. لديك الفرصة. ابذل جهدا لمعالجة الأخطاء. باستقامة..

الرابط : https://personalityhacker.com/important-trait-integrity/

ترجمة : إيمان صبري

تدقيق : أميمة سليم