قوة الصمت

133

أن تنطق لا يعني فقط أن تحرك الشفاه لتنفلث العبارات، قد يعني أيضا أن تكتب أو ترسم أو تبكي أو تنظر…كثيرة هي أدوات النطق لكننا حصرناها في الكلام، كثيرا ما تقول شفاهنا شيئا فتقاطعها دموعنا، كثيرا ما يعجز  ثغرنا عن وصف المكنون فتتكلف الأيادي لتصوغها في شكل لوحة فنية، حتى عندما نكبل الأيادي ونضع الأصداف على الشفاه، تتمرد أعيننا وتنطق بكل شيء كاسرة بذلك صمتنا المرعب، كاشفة عن دواخلنا الستار.

قد لا نرغب حقيقة بالبوح لأننا نرى في الصمت ما يطمئننا، ما يجعلنا بعيدين عن التساؤلات والشفقة، بعيدين عن سوء الفهم واجترار الكلام بدون جدوى، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمشاعر، نحتفظ بكل ما هو معنوي عن مشاطرته مع الآخرين، لأننا نعلم جيدا ألا أحد سيصل إلى مدارجنا فيما نحتويه من مواقف وتجارب ولحظات…لذلك نقتصر على مشاطرتهم ما هو حسي ملموس  وواقعي كأن نناقشهم  بموضوعية وحياد و تجرد دون الخوض في الجوهر، هكذا نعتقد أننا محصنين، نختار ما نريد أن ننطق به عن طيب خاطر وهوى، والحال أننا أسرى ملامحنا، حركتنا، تطلعاتنا…إننا أسرى أنفسنا.

كثيرا ما نقول: سنتمالك أنفسنا، هذه العبارة أكثر ما يكشف عن الصراع الذي نتجاذبه وأنفسنا آناء الليل والنهار، سوف نظهر لهم أننا أقوياء، قد ننجح في ذلك لبرهة أمام الناس لكن الرجفة، رجفة الأيادي تكشفنا، وخطواتنا المتعثرة تخوننا، ولحن قولنا ينطق ليقول بأننا لسنا بخير، ما الحل إذن؟ ما السبيل إلى الانعتاق من أنفسنا؟ سؤال غبي، لأنه الأجدر أن نقول: ما السبيل إلى التصالح مع ذواتنا وليس مخاصمتها والعدول عنها.
إن الأقنعة التي نرتديها نحن من يدفع ضريبتها، إن الألم الذي نشعر به و الفرح الذي يخالج صدورنا خاصتنا وليس لأحد من الأغيار سلطة علينا، والتجارب أيضا بحلوها ومرها نحن نعيشها، فلم كل تلك الأقنعة يا ترى؟ لم التزييف؟ إلى متى سنتوارى عن العباد؟ تساؤلات كثيرة جوهرها لم الابتعاد عن الذات؟ والحال أنها من ترى وتعيش ذلك بشكل منفرد، عندما تشعر بالبكاء لماذا تظهر العكس؟ إنه كمين وحدك من تقع فيه عندما تنتهي المسرحية ويرد الستار، تسقط فوق خشبة نفسك جاثيا على ركبتي قلبك تبكي بحرقة لأنك ما استطعت أن تواجه نفسك قبل الآخرين، تبكي أكثر فأكثر لأن زلة لسانك كشفتك أو لأن عيونك كانتا تبرقان  بشدة وأنت توهم نفسك والآخرين بالضحك المستميت والحركات البهلوانية.

إن السبيل إلى النجاة التسليم بالذات وتقبلها بكل تلويناتها وحالاتها، بمدها وجزرها بعيدا عن التصنع، وقريبا من العفوية التي تقينا لكم ومصارعة ذواتنا، حتى إذا ما وبخنا الضمير سلمنا بأنها حقيقتنا التي لا يمكننا إنكارها.