كن طفلا كي تكبر

114

بعد صلاة الصبح اعتدنا -رواد المسجد- الجلوس إلى شروق الشمس، فمنا من يذكر الله ومنا من يحفظ ثمنه والآخر يراجع ورده، والآخر متكئ على السارية تغلبه عيناه والذي بجانبه يغرس أطراف أصابعه في عضده يوقظه، ويوم الأحد يكون درس الشيخ، كأننا في طائرة هو الربان ونحن الطلبة هم بقية الطاقم، وعوام الناس هم الركاب، أعطي المخدة لهذا يتقي بها البرودة المخترقة للزرابي وأبتسم للآخر وألقي التحية على كل من تقابل عيناي عينيه، خصوصا الوجوه الجديدة بالمجلس كأني أطمئنهم بأن الرحلة ستمر بخير، لآخذ بعد ذلك مكاني مقابل الشيخ، ثم يضرب الشيخ بكفه على مكبر الصوت كأنه يشغل محرك الطائرة، ويبدأ: “إن الحمد لله نحمده و نستعينه….” ترتفع الطائرة شيئا فشيئا لنخترق السحاب ونصل إلى السماء، نعم، نسمو بأرواحنا ونحن نتدبر آيات القرآن ونتفكر في معانيها ودلالات ألفاظها ونرى حكمة الرحمن في كلامه وكيف أن هذا القرآن حقا نور وهدى للناس. “طوط طوط ” إنها الساعة المبرمجة تعلمنا بانتهاء وقت الدرس، فترتطم عجلات الطائرة مرة أخرى بالأرض ونصطدم نحن بالواقع المرير الذي نعيش فيه لكن مسلحين بهدايات القرآن، وينتشر الجميع سعيا في الأرض، تاركين جوا مليئا بالرحمة والسكينة  التي ينزلها الله على المجتمعين في بيت من بيوته يتدارسون فيه كتابه.

في يوم من تلك الأيام بعد انتهاء فترة الجلوس بين صلاة الصبح والشروق قام من كان بالمسجد ليصلوا ركعتي الضحى، لم أقم لأني لم أنته بعد من حفظي، وكذلك الشيخ وأحد أصحابه المقربين لم يقوما، لفت انتباهي طريقة كلام الشيخ، يتكلم بحماسة والابتسامة على وجهه، أرخيت سمعي لعلي أقتنص كلمات، كان من بينها: “يجب أن نكون كالطفل الصغير في تعاملنا مع الأوامر والنواهي”، شغلت هذه الفكرة بالي، ما علاقة الطفل الصغير بالامتثال لأوامر الله عز وجل، ونواهيه؟، فبدأت أبحث في صفات الأطفال؛ براءة، وسلام، وحب، وتلقائية وفطرة…لعلي أجد صفة توضح لي ما أراده الشيخ، لم أجد.

في يوم آخر وفي نفس الوقت المبارك، وقد خُصصت حلقة تحفيظ القرآن لكبار السن، جلست أتأمل فيهم بلحاهم البيضاء ووجوه تملؤها التجاعيد، ورؤوس تعلوها أهرام بطريقة جمعهم لِقُبِّ الجلابة، ولكن حركاتهم كانت غريبة، كانوا كالأطفال، ترى الواحد منهم يغير جلسته في كل مرة و الثاني يتتعتع في القراءة والثالث يقرأ سورة من قصار السور بصوت عال غير مبال بمن حوله وآخر يقول لصاحبه: “هكذا تُقرأ” ويجيبه الآخر: “لا ليس هكذا “، ثم يقفز ليسأل معلمه مقاطعا تلميذا آخر يستظهر محفوظه، طأطأت رأسي لأفتح المصحف بين فخِدَيْ، اتسعت عيناي وانفتح فمي دون شعور و اجتمعت ناصيتي تكَوِّن خطوطا، كأنني مندهش مصدوم، لكن في الحقيقة كدت أطير فرحا، نعم نعم، لقد وجدت الجواب عن تساؤلي، هم اليوم أطفال في تعلم القرآن…وسيصبحون يوما ما مثلنا، يجلسون في وقار، يقرؤون بصوت منخفض كأنه أزيز نحل، وبقراءة سلسة دون تتعتع ويتحلوا بآداب حلقات القرآن، كل هذا إن واصلوا.

فأخذت هذه القاعدة العظيمة التي ترافقني إلى الآن في حياتي وهي أنك كلما أردت أن تكون كبيرا في شيء لابد أن تمُرَّ من مرحلة الطفولة فيه، فتقتنع بأنك ضعيف وتسعى لأن تصير قويا، فالطفل لا يقلقه أنه عجز عن فعل شيء يفعله الكبار لأنه يعلم قَدْرَه ولا يمنعه هذا من مواصلة الحياة، فكلنا كنا نجمع الصلاة في البدايات ثم صرنا نصلي في الوقت إلى أن انتقلنا إلى درجة أكبر وهي الصلاة مع الجماعة، والرابط بيننا هو أننا في كل مرحلة كنا نكون ذلك الطفل فلو قلنا: إننا بمحافظتنا على الصلاة صرنا كبارا لما انتقلنا إلى المرحلة الثانية بل سنرجع إلى المرحلة الأولى، فخالط الصالحين وسر على خطاهم إلى أن تصير مثلهم بإذن الله، ولا تتسرع ولا تستسلم لأن عمرك الكبير لا تناسبه حركات الصغار، بل واصل الطريق ولا تبالِ بنظرات غيرك.

من ذلك اليوم عزمت أن أبقى طفلا فقيرا إلى الله ساعيا في رضاه، غير مبال للذل الذي يصيبني في سبيله، راجيا أن يبلغني الدرجات العلى من الجنان حيث الناس الكبار، محمد صلى الله عليه وسلم ومن سار على خطاه. نسأل الله التوفيق.